صورة اجتماعات قيادة “فتح” في غزة تفجر غضبًا شعبيًا وتوثق عزلة التنظيم عن مأساة أهله
"كنب فاخر وسط أنقاض الخيام"

في وقت يكابد فيه أبناء قطاع غزة مرارة النزوح داخل خيام مهترئة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، وتتساقط فيه المباني المتصدعة على رؤوس ساكنيها الذين اضطرتهم الحرب للسكن بين الركام، أثارت صورة تسربت لاجتماع قيادة حركة “فتح” في القطاع موجة عارمة من الاستياء والسخط الشعبي.
واعتُبرت المشاهد التي أظهرت قيادات بارزة، تقدمهم أحمد حلس (أبو ماهر) وأعضاء من المجلس الثوري، وهم يجلسون في مكتب مكيف وعلى أثاث وفاخر، تجسيداً صارخاً لحالة الانفصال التام عن الواقع الكارثي الذي يعيشه الشارع الفلسطيني في غزة.
ولم يقتصر الانتقاد والرفض لهذه الصور على الأوساط الشعبية والمتابعين المستقلين، بل تفجر الغضب من داخل أبناء وكوادر حركة “فتح” أنفسهم، حيث خرج العديد من الناشطين والكوادر عن صمتهم ليعبروا عن صدمتهم من السلوك “البرجوازي” الذي تمارسه قيادة يُفترض بها أن تكون في خط المواجهة الأول إلى جانب كوادرهم المنكوبين.
وأكد ناشط ظهر في مقطع مصور منتقدًا الخطوة، أن قيادة الحركة في غزة كان حرياً بها أن تعقد اجتماعاتها بين أنقاض البيوت المهدمة أو داخل الخيام القماشية لترسخ نموذج التلاحم مع الناس، بدلاً من البحث عن الراحة والتكييف والظهور بمظهر يعكس انفصالاً أخلاقياً وسياسياً عن آلام شعبهم.
ويحمل هذا الغضب المتصاعد والانتقاد الموجه من داخل أبناء الحركة دلالات سياسية وتنظيمية بالغة الخطورة والتأثير أولها اتساع الفجوة بين القواعد والقيادة حيث يكشف هجوم الكوادر على قيادتهم عن حالة تآكل وإفلاس تنظيمي، ويعكس عمق الأزمة التي تعانيها حركة فتح في غزة، حيث بات هؤلاء يشعرون بأن القيادة السياسية تحولت إلى طبقة معزولة تبحث عن مصالحها وبرستيجها الخاص بعيداً عن أوجاع الشارع.
كما تعزز هذه المشاهد القناعة السائدة لدى الغزيين بوجود صمت وتهميش رسمي فلسطيني تجاه مأساتهم المستمرة، إذ يُنظر إلى هذه الاجتماعات الشكلية على أنها مجرد محاولات لإثبات الحضور السياسي دون تقديم أي حلول عملية لوقف القتل البطيء، أو تأمين مأوى آمن للأسر التي تهدد الموت تحت أسقف المنازل الآيلة للسقوط.
ويقول ناشطون إن التبايُن البصري الحاد بين صمود المواطن الغزي في العراء واستعلاء القيادة في الصالونات الفاخرة يسقط المبررات والأغطية الأخلاقية عن هذه القيادات، ويضعها في خانة العجز والارتهان للمصالح الضيقة على حساب المظلومية الوطنية الجامعة.
صمت رسمي
وتأتي هذه السقطة الإعلامية والسياسية في وقت تتضاعف فيه المعاناة الإنسانية في غزة؛ حيث يستمر تساقط المباني المتصدعة التي أصبحت بمثابة قنابل موقتة يحتمي بها المواطنون لغياب البدائل وآليات إعادة الإعمار.
ويبدو واضحاً أن استمرار القصف والقتل البطيء، بالتوازي مع العجز والصمت الرسمي الفلسطيني، يجعلان من الشارع الغزي أكثر وعياً ورفضاً لكل أشكال الوصاية والانتهازية، متمسكاً بصموده الذاتي فوق أرضه في مواجهة العدوان والخذلان على حد سواء.
وتضع هذه المشاهد المستفزة قطاعاً واسعاً من كوادر الحركة وقواعدها الجماهيرية في موقف محرج أمام الشارع الغزي الذي لم يعد يحتمل رؤية هذا التباين الصارخ إذ تشير المعطيات إلى أن حالة السخط الداخلي تعكس اتساع رقعه الفجوة بين الأطراف التي تعيش المأساة في الخيام وبين القيادة التي تكتفي بإصدار البيانات وتكرار الشعارات المستهلكة.
ويقول الناشطون في تعليقاتهم المتطابقة على القضية إن هذا السلوك البرجوازي لا يعبر عن مجرد خطأ تنظيم أو سقطة بروتوكولية عابرة، بل يكرس انطباعاً ثابتاً لدى أهالي غزة بوجود نهج متصلب يتعمد تهميش قضاياهم الأساسية وإبقاء أزماتهم الإنسانية مجرد ورقة للمساومة والتحريك السياسي.
“مجلس السلام”.. واجهة دولية تدير الإبادة وتغطي على سفك الدم في غزة



