“الاستثمار المشبوه” و”طُعم المتخاذلين”… كتاب ومثقفون يحذرون من مآلات حراك 26 يونيو

حذر كتاب ومثقفون وأكاديميون من التداعيات الخطيرة لما يسمى بـ “حراك 26 يونيو”، مؤكدين أن هذه الدعوات تأتي في سياق محاولات استغلال حالة الإنهاك التي يعيشها الناس في قطاع غزة بفعل تداعيات حرب الإبادة والحصار، وتحويل معاناة المواطنين إلى بوابة للفوضى والاقتتال بما يخدم الاحتلال.
ولفتوا إلى أن الاحتلال بعدما فشل في كسر إرادة الفلسطينيين بالقوة العسكرية والحصار والتجويع، بات يسعى إلى الاستثمار في الحرب النفسية وتفكيك الجبهة الداخلية، عبر دعم أصوات وخطابات تحاول نقل الغضب الشعبي بعيدًا عن مصدر العدوان والمعاناة الحقيقي.
“طعم المتخاذلين”
ويرى الكاتب هلال نصار أن الاحتلال يعمل على رسم مخططات الفوضى وإشعال الفتنة داخل غزة؛ بهدف تفريغ المجتمع الفلسطيني وسلخه عن هويّته الوطنية والدينية، عبر أدوات ومليشيات جرى إعدادها لخدمة هذا المسار.
وقال نصار إن الاحتلال يريد أن يغرق قطاع غزة في الفلتان والحرب الأهلية الداخلية بعد عجزه عن تحقيق أهدافه عبر القتل والتدمير والتجويع، معتبرًا أن ما يطرح تحت عنوان الحراك “لا يعد كونه طُعمًا” يُراد من خلاله استدراج الناس نحو مشاريع تخدم الاحتلال.
ومن جانب آخر، قال الكاتب فايز أبو شمالة، إن الاحتلال سيعمد في الأيام القادمة إلى المزيد من الضغط على أهل غزة، وذلك بزيادة الاستهداف الميداني، وزيادة القصف والقتل العشوائي، بل سيعمد إلى زيادة الضغط بتقنين دخول المواد الغذائية عبر المعابر، وزيادة الضغط على المنظمات الإنسانية التي تقدم المواد الغذائية، وسيواصل العدو المزيد من التضييق على حياة الناس في غزة، وكل ذلك بهدف تأجيج حالة الغثيان والضيق والتأفف والقلق في نفوس أهل غزة، في رسالة دعم وإسناد وتحريض لأولئك المارقين على تاريخ فلسطين، الذين يدعون إلى ثورة وحراك بتاريخ 26 يونيو ضد رجال غزة، وضد استقرار غزة، وضد صمود أهل غزة.
وأوضح أن هذه المحاولات تهدف إلى كسر عنق غزة، وبث الفتنة، ونشر الفوضى، التي يتسلل من خلالها العملاء لذبح الأمن والاستقرار والهدوء النسبي الذي يحرص عليه رجال الشرطة، حماية لما ظل من كرامة وشموخ يمثلها رجال المقاومة الفلسطينية الذين قدموا أولادهم وعائلاتهم وأموالهم، ولا يزالون يقدمون التضحيات والشهداء على مدار الوقت، دون انكسار أو اندثار أو تراجع عن المسار الذي شقه الشهداء بدمائهم وتضحياتهم.
الفوضى سلاح الاحتلال البديل
أما الأكاديمي والكاتب حسن محمد القانوع، فرأى أن الفوضى أصبحت أحد الأسلحة التي يحاول الاحتلال توظيفها بعد فشله في تحقيق أهدافه العسكرية.
وأكد أن التحريض على الفلتان والاقتتال الداخلي في هذا التوقيت الحرج لا يمكن فصله عن مخططات الاحتلال الرامية إلى تمزيق النسيج المجتمعي وإشغال الناس ببعضهم البعض، مشددًا على أن السلم الأهلي والوحدة المجتمعية يمثلان خط أحمر أمام كل محاولات الاختراق والتفكيك.
وأضاف أن إضعاف المجتمع الفلسطيني وإغراقه في الصراعات الداخلية يمنح الاحتلال مكاسب عجز عن انتزاعها عبر الدبابات والطائرات، داعيًا إلى الحذر من المشاريع التي تُدار خلف الشاشات وتسعى إلى استثمار معاناة الناس لخدمة أجندات معادية.
الاستثمار في الانقسام
من جانبه، أكد الكاتب والمحلل السياسي د. إياد القرا أن النقد الوطني والمراجعة السياسية حق مشروع وضرورة وطنية، إلا أن الفارق كبير بين نقد المسؤول والخطاب الذي يتحول إلى أداة تخدم رواية الاحتلال وتعيد إنتاج أهدافه.
وأوضح أن أخطر ما في بعض الخطابات المرتبطة بالحراك هو تقاطعها مع الرسائل التي يسعى الاحتلال إلى ترسيخها، خاصة في ظل محاولاته المستمرة لإضعاف الجبهة الداخلية وإشاعة الإحباط وفقدان الثقة بين مكونات المجتمع الفلسطيني.
وأشار القرا إلى أن أي خطاب يتجاهل الجرائم اليومية للاحتلال أو يحول الغضب الشعبي بعيدًا عن المسؤول المباشر عن المأساة، يثير تساؤلات مشروعة حول أهدافه ونتائجه، لافتًا إلى أن غزة تحتاج إلى تعزيز من صمودها ووحدة أهلها أكثر من أي وقت مضى.
تجارة بآلام الناس
واعتبر الكاتب ذو الفقار سويرجو أن بعض الأصوات التي تروج للحراك تمارس نوعًا من المتاجرة بآلام الناس ومعاناتهم، مؤكدًا أن العدو الحقيقي يبقى الاحتلال الإسرائيلي المسؤول عن القتل والإبادة واستهداف المدنيين.
وقال سويرجو، إن الفلسطينيين دفعوا ثمنًا باهظًا خلال سنوات الصراع، ولم يتبق لهم سوى التمسك بكرامتهم ووحدتهم الوطنية، محذرًا من الانجرار خلف دعوات من شأنها تعميق الانقسام وإضعاف المجتمع.
الصمت عن الجرائم في الضفة.. والضجيج ضد غزة !
وأبعد من ذلك، لفت الكاتب علاء الريماوي، إلى أن من أكثر المؤشرات إثارة للانتباه أن الدعوات إلى هذا الحراك حظيت بترويج ودعم واضحين من صفحات إسرائيلية رسمية ناطقة بالعربية، من بينها صفحات تابعة لمؤسسات حكومية وعسكرية إسرائيلية، وهذا الدعم العلني لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلًا هامشيًا أو عابرًا.
وذكر الريماوي، أن تجارب الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أثبتت أن أخطر ما يمكن أن يحدث في لحظات المواجهة المصيرية هو انتقال بوصلة الصراع من المحتل إلى الداخل، مضيفًا أن إسرائيل لم تخفِ يومًا سعيها إلى إضعاف الحاضنة الشعبية للمقاومة وإثارة الانقسامات الداخلية ودفع الفلسطينيين إلى تحميل بعضهم البعض مسؤولية المأساة التي يصنعها الاحتلال يوميًا.
وشدد على أن أي تحرك شعبي لا يضع الاحتلال في موقع الخصم الأول، ولا يحدد بوضوح أهدافه الوطنية، قد يتحول، سواء بقصد أو من دون قصد، إلى أداة تخدم الاستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى تفكيك وانهاك المجتمع الفلسطيني من الداخل.



