انكسار مشروع الميليشيات.. الدوافع الحقيقية وراء فرار العائلات وتسليم أفرادها لأمن المقاومة

تشهد المناطق الواقعة خلف ما يُعرف بـ “الخط الأصفر” شمال بيت لاهيا انكساراً متسارعاً وتصدعاً هيكلياً غير مسبوق في صفوف الميليشيات المرتبطة بالعميل أشرف المنسي، حيث تلقت هذه الميليشيات المأجورة ضربة قاضية أطاحت بأوهام البيئة الآمنة التي حاول الاحتلال الترويج لها عبر أذرعه المأجورة.
وتأتي هذه التطورات عقب نجاح الأجهزة الأمنية في غزة، بالتعاون مع قوة “رادع” والوجهاء والعشائر، في احتواء واستقبال موجات متتالية من الفارين من تلك المناطق، والتي توجت بتسليم نحو 6 عائلات جديدة تتكون من أكثر من 50 شخصاً أنفسهم رسمياً، من بينهم عناصر سابقون انخرطوا في عمل تلك الميليشيات، إلى جانب نساء وأطفال وكبار في السن، مع تسجيل مؤشرات حثيثة عن نية أسر أخرى الخروج والانشقاق خلال الساعات القادمة.
وفي محاولة بائسة للتغطية على هذا التفكك المتسارع والهلع الداخلي، خرج العميل أشرف المنسي ببيان هزيل عبر ما يُسمى صفحة “الجيش الشعبي”، ادعى فيه كذباً وزوراً أنه قام بـ “طرد وإخراج أكثر من 10 عائلات” من مناطقه بسبب “محاولات للإخلال بالنظام وعرقلة المسيرة”.
هذا التناقض الصارخ سارعت منصات التواصل الاجتماعي وأوساط المتابعين إلى تفنيده والتهكم عليه، معتبرين أن مبررات المنسي لا تعدو كونها مادة للسخرية ومحاولة مكشوفة لترقيع السقوط المدوي لأكذوبة مشروعه، وتغطية حجم الفضيحة بعد أن فضلت العائلات المخاطرة بالفرار والعودة إلى حضن مجتمعها على البقاء في معازل العمالة والارتهان للاحتلال.
شهادات التائبين
وتكشف روايات العائدين والتائبين عن الأسباب والدوافع الحقيقية التي جعلت هذه العائلات تفر بجلدها وتخاطر بالخروج من مناطق الميليشيات، حيث ترسم الإفادات صورة قاتمة للواقع الذي يعيشه المحتجزون في تلك البؤر.
الخدعة الأولى والوعود الزائفة تبدأ الاتصالات الأولى بتقديم وعود براقة بتوفير الحماية والمأوى والغذاء وفرصة للعيش بعيداً عن أهوال القصف ومناطق الاشتباك، غير أن القادمين يفاجأون فور وصولهم بوضعهم داخل مقار تديرها الميليشيات تحت حراسة أمنية مشددة.
التدريج في التجنيد الإجباري حيث لا تتم عملية الاستقطاب بصورة مباشرة، بل تبدأ بتكليف الأفراد بأعمال خدماتية وصيانة وحراسة بسيطة، قبل إقحامهم تدريجياً في مهام ميدانية خطيرة لصالح جيش الاحتلال الإسرائيلي، مثل تمشيط المناطق والبحث عن الأنفاق ومواقع المقاومة.
الإسقاط بالمخدرات والابتزاز حيث أجمعت الشهادات على استخدام قيادة الميليشيات وسائل دنيئة لإحكام السيطرة على العائلات، من بينها ترويج المخدرات بين الشباب، والابتزاز الأخلاقي، وتهديد العائلات واستغلال الأطفال والنساء كرهائن لمنع أي محاولة للفرار أو كشف المستور.
بيئة الرعب والتضليل حيث يتعرض كل من يظهر نية الانسحاب أو المغادرة للتعذيب الجسدي والتهديد الصريح بالتصفية الميدانية، توازيها حملات تضليل نفسي وإشاعة روايات مفبركة تدعي أن التسليم للأجهزة الأمنية في غزة سيقودهم إلى الإعدام أو التعذيب، لإغلاق أبواب التوبة أمامهم.
وقد أثمرت الجهود المتواصلة للواجهة الوطنية والعشائرية، بالتعاون مع قوة “رادع” والأجهزة الأمنية، عن تفكيك هذه الميليشيات عبر فتح مسارات آمنة لتسوية الأوضاع، حيث جرى سابقاً معالجة ملفات العشرات وأثمرت عن تسليم 40 شخصاً أنفسهم وعودتهم الآمنة لمجتمعهم.
وتؤكد الجهات الأمنية وقوة “رادع” أن باب العودة وتصحيح المسار يظل مفتوحاً أمام كل من تورط وسُحب إلى هذا الطريق وقرر التراجع وحقن دمه، مشددة في الوقت ذاته على أن الاستمرار في خدمة مخططات الاحتلال لن يوفر أي حماية للمصرين على خيانة شعبهم.
فشل ذريع
ويرى مختصون ومحللون أن هذه الاندحارات المتتالية تسدد ضربة قاضية للرهان الإسرائيلي القائم على خلق ميليشيات مأجورة لفرض واقع أمني بديل في قطاع غزة، إذ تهاوت هذه المخططات أمام صخرة الوعي المجتمعي والرفض العشائري العارم.
ويؤكد العزل الاجتماعي الشامل الذي يطوق العميل المنسي وعناصره، والتفكك الهيكلي اليومي في صفوفه، أن هذه الظاهرة المريضة تسير بخطى حثيثة نحو نهايتها المأساوية، وأن المظلة الصهيونية لن تحمي أدواتها من القصاص الشعبي والتاريخي العادل الذي يننتظر كل من شارك في تجويع الشعب الفلسطيني وترويعه.



