احتفاء صهيوني بالمحرض غيث التميمي يعرّي سقوط أبواق التطبيع

سادت حالة من الاستهجان والغضب الواسع في الأوساط العربية والفلسطينية عقب تداول مقطع مصور يوثق استقبالاً احتفالياً وحفاوة بالغة حظي بها السياسي العراقي المقيم في بريطانيا، العميل المدعو غيث التميمي، من قبل مجموعة من المستوطنين الإسرائيليين.
وجاء هذا التكريم والترحيب العارم تقديرًا للتصريحات والمواقف العلنية التي يواظب التميمي على إطلاقها ضد القضية الفلسطينية، وتبنيه المطلق للسردية الإسرائيلية، في مشهد يجسد الذروة التي وصل إليها سقوط هذه الأبواق المأجورة والانفصال التام عن نبض الأمة.
ولم يكن هذا المقطع المتداول مجرد حدث عابر، بل جاء امتداداً لسلسلة طويلة من السقوط العلني، إذ أثار التميمي مؤخراً موجة غضب واسعة إثر ظهوره في فيديو يصرخ فيه بانفعال حاد معلناً عبارته الشهيرة بأن فلسطين ليست قضيته.
هذه التصريحات التي قوبلت بردود فعل حادة وتفنيد واسع من قبل النشطاء والأحرار عبر منصات التواصل، الذين أجمعوا في تعليقاتهم على أن قضية فلسطين كانت وستبقى المعيار الأول للشرف والكرامة في هذا العالم، وأنها قضية الأحرار الشرفاء فقط، ولا يُنتظر من المرتزقة ومن انخلعوا عن قيمهم الوطنية والإنسانية أن يكونوا جزءاً منها أو يدافعوا عنها.
ويشكل التميمي نموذجاً صارخاً للعميل الوظيفي الإعلامي الذي تستقطبه المنظومة الإعلامية والأمنية التابعة للاحتلال الإسرائيلي، حيث تحولت حساباته ومنصاته الرسمية إلى صدى مباشر ومكشوف لشبكة أفيخاي التحريضية، مكرساً كل إطلالاته الإعلامية للتشكيك في النضال الفلسطيني، وتبرير جرائم الإبادة الجماعية والمجازر المرتكبة بحق المدنيين.
وتؤكد الوثائق والشواهد الممتدة منذ عام 2019 أن علاقة التميمي بمؤسسات الكيان ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج ارتباطات وثيقة مع شخصيات استخباراتية في لندن، ومن أبرزها صورته الشهيرة التي جمعته بالإسرائيلية تسيونيت فتال كوبرفاسر، زوجة يوسي كوبرفاسر، الضابط المتقاعد الذي شغل سابقاً منصب رئيس قسم الأبحاث في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، والباحث في مركز جيروسليم للعلاقات العامة الذي يديره السياسي المتطرف دور كولد.
تحريض غيث التميمي
ومع انطلاق معركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر، انخرط التميمي كلياً وبشكل مطلق في آلة الحرب النفسية الموجهة ضد قطاع غزة، متجاوزاً كل الخطوط الحمراء الوطنية والأخلاقية.
ولم يكتفِ التميمي بتبني السردية الإسرائيلية الكاذبة حول أحداث غلاف غزة والترويج لادعاءات الفظائع، بل عمد علناً إلى تبرير التدمير الشامل للقطاع ووصفه بأنه نتاج طبيعي وإستراتيجية نظامية لجيش الاحتلال، معتبراً دماء الأطفال والمدنيين مجرد ظرف مناسب منح التفويض الكامل لحكومة بنيامين نتنياهو لمواصلة عملياتها.
بل وبلغ انحطاطه الأخلاقي أوجه عند اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الشهيد إسماعيل هنية في طهران، حين خرج عبر منصة إكس يرسل التهاني والمباركات الرسمية للاحتلال، كاتباً في تناغم فج مع قادة الكيان أنه يبارك للشعب الإسرائيلي والفلسطيني هلاك من وصفه بالإرهابي، متجرداً تماماً من أي مروءة أو شهامة عربية.
وتتعدى المهام الموكلة للتميمي مجرد التحريض، لتصل إلى محاولة ممارسة الضغط النفسي والتأثير على الشعوب العربية من خلال تسويق الاستسلام والترويج للاتفاقيات الأمنية كحل وحيد لإنهاء الحروب في غزة ولبنان واليمن.
ويدعو التميمي صراحة عبر إطلالاته التلفزيونية إلى انخراط الدول العربية والإقليمية في اتفاقيات تطبيع شاملة تضمن تصفية القضية الفلسطينية بشكل كامل ونزع سلاح فصائل المقاومة، محاولاً تجميل وجه الاحتلال وإظهاره كشريك إقليمي وحامي للمنطقة، في وقت يتجاهل فيه عمداً آلاف الأطنان من القنابل والمتفجرات التي تسحق العائلات والنازحين في المخيمات والمدن.
غيث التميمي ويكيبيديا
وتؤكد السيرة الذاتية للمدعو غيث عبد الجبار عبد الله التميمي، المولود في بغداد عام 1981، حجم الانتهازية والتقلبات التي رافقت مسيرته.
فقد بدأ حياته بدراسة العلوم الدينية في الحوزة العلمية بالنجف وكان قيادياً سابقاً في التيار الصدري وميليشيا جيش المهدي بالعراق، حيث لاحقته قضايا تحريض واعتقالات متكررة نتيجة أطروحاته المثيرة للفتنة المذهبية والسياسية، قبل أن ينتقل للعيش في بريطانيا ويخلع عباءته الدينية تماماً ليتحول إلى مروج علني للتطبيع مع الكيان الصهيوني.
ويرى مختصون أن حالة غيث التميمي تعكس السياسة الإسرائيلية الحديثة في تدوير المطرودين من بيئاتهم الوطنية والمجتمعية، إذ لم يعد الاحتلال يكتفي بأبواقه الناطقة بالعبرية، بل بات يستقطب الشخصيات ذات الخلفيات الميليشياوية أو الدينية السابقة، لإعادة تدويرهم في العواصم الغربية كمحللين سياسيين وأدوات إعلامية موجهة.
ويعتبر احتفاء المستوطنين الصهاينة بالتميمي اليوم واستقبالهم له بالحفاوة والترحيب، لا يمثل سوى شهادة إثبات جديدة على طبيعة الدور الرخيص الذي تؤديه هذه الأدوات، وتأكيداً ساطعاً على أن المرتزقة الذين يبيعون قضايا أمتهم لن يجدوا لهم مكاناً إلا في أحضان مستعمريهم، مطرودين من ذاكرة التاريخ والشعوب.
تناقضات وسوابق جنائية.. العميل محمد أبو الكاس يُجسّد انهيار أدوات الاحتلال شرقي غزة



