لماذا تهاجم السلطة وذباب “فتح” التضامن الموريتاني مع غزة؟ (إليك التفاصيل)

في وقت يواصل فيه الشعب الموريتاني تقديم الدعم الشعبي والمالي لقطاع غزة، برزت أصوات محسوبة على السلطة الفلسطينية وحركة فتح لتشكيك في جهود الإغاثة والتبرعات التي جمعها الموريتانيون لصالح الشعب الفلسطيني.
ولم تكتف هذه الأصوات بالتشكيك في مصير التبرعات والجهات الموجه لها، بل تمادت إلى الطعن في نزاهة القائمين عليها، متجاهلة تاريخًا طويلاً من التضامن الموريتاني مع الشعب، مما أشعل موجه كبيرة من الغضب والجدل عير منصات التواصل الاجتماعي والأقلام الإعلامية.
وجاءت تصريحات سفير السلطة في موريتانيا بشير أبو حطب، في صدارة الجدل، حين تحدث خلال مقابلة تلفزيونية عن التبرعات التي جمعها الموريتانيون لصالح قطاع غزة، مشيرًا إلى أنها لم تصل إلى وجهتها.
وخلال ساعات قليلة، فجرت تلك التصريحات حالة من الانتقاد بين الأوساط الثقافية والسياسية وتحولت إلى مادة رئيسية للنقاش في وسائل الإعلام المحلية، حيث انقسمت الآراء بين من اعتبرها تشكيكًا مباشرًا في مصير ملايين الأوقية التي جُمعت باسم دعم غزة، ومن رأى فيها انعكاسًا للخلافات الفلسطينية الداخلية أكثر من كونها كشفًا لمعطيات جديدة حول ملف التبرعات.
وقال الهيبة الشيخ سيداتي، مدير وكالة الأخبار المستقلة المقربة من الاتجاه الإسلامي، إن السفير الفلسطيني يمثل السلطة الفلسطينية التي لا تدير قطاع غزة، مشيرًا إلى وجود عشرات المقاطع المصورة والشهادات الميدانية التي يظهر فيها فلسطينيون من القطاع وهم يشكرون الموريتانيين على ما وصلهم من مساعدات ودعم.
أما السياسي والشاعر أحمد أبو المعالي، فاعتبر أن التشكيك في مصير التبرعات ليس جديدًا، وأن مثل هذه الاتهامات طُرحت في مناسبات سابقة دون أن تنجح في زعزعة ثقة الموريتانيين في الهيئات المشرفة على حملات الدعم.
أصوات موريتانية: “أيها السفير الذي يوزع علينا التهم.. ارحل”
وأضاف أنه تعامل عن قرب مع القائمين على الرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني، ويشهد لهم، بالجدية والأمانة والتفاني في خدمة القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن الأموال التي تُجمع من المتبرعين يتم التعامل معها باعتبارها أمانة مخصصة حصرًا لدعم الشعب الفلسطيني.
وعلق الكاتب والشاعر الموريتاني المختار السالم مهاجمًا السفير أبو حطب، بالقول: “السفير بشير أبو حطب، خرج على الملأ يقدح في ذمة علماء ورجال شرفاء منذ سنوات يجمعون التبرعات لصالح سكان غزة ومجاهديها، ثم ها هو يشتكى أنه يتعرض لحملة، من أنت بالله عليك؟َ، هل زرت غزة؟، ماذا قدمتم أنتم سلطة عباس وابنه وريثه لسكان غزة؟”.
وتابع السالم “زعمت أن التبرعات لم تصل غزة لأنها لم تمرّ بسلطتك في الضفة، لتبرعات يقوم عليها علماء ودعاة ومناضلون من كل التيارات السياسية الموريتانيين إسلاميون، بعثيون، ناصريون، ويساريون. والقضية الفلسطينية قضية إجماعية عند الموريتانيين. وصدقني، أيها السفير الذي يوزع علينا التهم ويقدح في شرف أشرافنا، لم يعد مرغوبا فيك شعبيّا في موريتانيا… فارحل بالله عليك”.
وفي ظل تصاعد الجدل، أصدر السفير بيانًا للرأي العام حاول فيه احتواء الأزمة، مؤكدًا احترامه للشعب الموريتاني وقيادته ومؤسساته، ومعتبرًا أن تصريحاته أُخرجت من سياقها، إلا أن البيان لم ينهِ حالة الاستياء التي أثارتها تصريحاته، بل فتح بابًا جديدًا للنقاش حول طبيعة الخطاب الدبلوماسي وحدود التعاطي مع القضايا الحساسة المتعلقة بالدعم الموريتاني للشعب الفلسطيني.
الذباب الإلكتروني يدخل على الخط.. حملة منظمة !
بالتوازي مع الجدل الذي أثارته تصريحات سفير السلطة، نشطت حسابات محسوبة على حركة فتح والسلطة – بالتزامن- في حملة الكترونية تشكك وتحرض بشكل علنيّ ضد التبرعات الموريتانية المخصصة لقطاع غزة.
وتحولت الحملة لمحاولة منظمة للتشويش على المبادرات العربية الداعمة لغزة لإضعاف الثقة بجهود الإغاثة والتضامن بوقت يعيش فيه القطاع واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه.
والمتتبع لعدد من الحسابات التي قادت الحملة، فإن مراجعة نشاطها الرقمي وخلفيات أصحابها تشير إلى أن معظم هؤلاء لا يقيمون داخل قطاع غزة، بل يعيشون بالضفة الغربية أو خارج فلسطين.
بالأسماء… من يقود حملة التحريض؟
من بين الأسماء التي شاركت في الترويج لرواية السلطة وذبابها الالكترونية، برز حساب خالد سليمان والذي زعم أن المساعدات الموريتانية لا تصل للمواطنين في غزة.
وأظهرت مراجعة بياناته ونشاطه الإلكتروني ارتباطه بمؤسسات إعلامية محسوبة على حركة فتح في الضفة الغربية، فيما تتصدر صورة تجمعه برئيس السلطة محمود عباس واجهة حسابه الشخصي.
كما نشط حساب أنس الجزار في الترويج للمزاعم ذاتها بما وصفه بـ “نهب أموال المنكوبين”، غير أن مراجعة منشوراته وخلفياته أوضحت ارتباطه بأطر تنظيمية تابعة لحركة فتح والسلطة.
وتشير المعطيات إلى أن حضوره الفعلي يتركز بين الضفة الغربية وتركيا، دون أي مؤشرات تدل على إقامته بقطاع غزة أو امتلاكه مصادر حول واقع توزيع المساعدات هناك.
أما براء دحلان، الذي كرر بأكثر من منشور أن التبرعات “لا يصل منها شيء لغزة”، فقد أظهرت مراجعة نشاطه أنه يقيم بمصر منذ سنوات، وخارج القطاع منذ عام 2018 على الأقل.
ورغم ذلك يقدم نفسه بمنشوراته وكأنه مطلع بصورة مباشرة على الواقع الإغاثي والإنساني داخل غزة.
كما برز حساب محمد حديد الذي اتهم القائمين على جمع التبرعات بتحويل الأموال إلى “جيوب القادة وحساباتهم البنكية”، غير أن مراجعة بيانات حسابه أظهرت أنه يقيم بصورة دائمة ببلجيكا وأن نشاطه الإلكتروني يدار من هناك بشكل منتظم.
وتكشف منشوراته وخلفياته العائلية والسياسية ارتباطه ببيئة تنظيمية فتحاوية معروفة.
استهداف للتضامن العربي مع غزة
وتخلص المعطيات إلى أن الخطاب المشكك بالتبرعات الموريتانية لا يصدر عن متضررين أو شهود ميدانيين من داخل قطاع غزة، بقدر ما تقوده حسابات وشخصيات مرتبطة بحركة فتح والسلطة الفلسطينية وتقيم في الضفة الغربية أو خارج فلسطين.
كما تكشف طبيعة الخطاب المستخدم أن الهدف لا يقتصر على إثارة التساؤلات حول آليات التوزيع، بل يمتد إلى ضرب الثقة بالمبادرات الشعبية العربية الداعمة لغزة وإضعاف أثرها المعنوي والإنساني.
في وقت يواجه فيه القطاع واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه، تبدو محاولات التشكيك بالتبرعات والتي تقودها السلطة الفلسطينية وذبابها وكأنها معركة موجهة ضد المتضامنين أنفسهم مع أبناء الشعب في قطاع غزة، بدل توجيه الجهود نحو دعم الضحايا ومواجهة أسباب المأساة.
بالمقابل، يوصل الموريتانيون حملات الدعم والإسناد، وتبقى هذه الحملة مثالًا على حجم التوظيف السياسي التي تمارسه السلطة وذبابها الإلكترونية، لإثارة الشكوك حول مبادرات شعبية حظيت بثقة واسعة، دون تقديم أدلة حقيقية تبرر حجم الاتهامات الموجهة إليها، محاولةً لحصر العمل الإغاثي وفق مسارات وقنوات تخدم مصالحها وجيوب قياداتها، الممتلئة بالفساد وغسيل الأموال على حساب حقوق الشعب.



