المجرم “أبو سفن”.. لما يُنظر إليه باعتباره أخطر عملاء الاحتلال في غزة؟

في كل ملف يضم أسماء عملاء الاحتلال ورؤساء المليشيات ، تبرز بعض الشخصيات التي تتجاوز في طبيعة أدوارها وخطورتها الإطار التقليدي المرتبط بالسوابق الجنائية أو الأنشطة الأمنية.
ويقود هذه الميليشيات أفراد تجمعهم سمات مشتركة في سيرهم الذاتية، أبرزها سوابق جنائية، والتعاون مع الاحتلال، كما عمل بعضهم سابقاً مع أجهزة السلطة الفلسطينية الأمنية.
ويبرز اسم العميل حسام الأسطل المعروف بـ “أبو سفن” بوصفه حالة استثنائية أثارت اهتمامًا واسعًا بسبب حجم الأدوار الإجرامية المنسوبة إليه وطبيعة الملفات الأمنية والجنائية المرتبطة باسمه.
ويشير الكاتب محمد النجار، في قراءة تحليلية لملف العملاء، إلى أن وضع أبو سفن ضمن الفئة نفسها التي تضم بقية الأسماء يبدو أمرًا غير دقيق، إذ إن معظم الأسماء ارتبطت بسوابق جنائية تقليدية، كقضايا المخدرات والسرقة، دون أن تمتلك خبرات أو قدرات استثنائية تميزها عن غيرها، بينما يُنظر إلى العميل حسام الأسطل باعتباره حالة مختلفة تمامًا بسبب طبيعة الأدوار والخلفيات المنسوبة إليه.
ووفق ما أورده النجار، فقد ارتبط اسم أبو سفن، بخلفية عملياتية وميدانية أكثر تعقيدًا، شملت نشاطات داخل قطاع غزة وخارجه، كما يرتبط اسمه بعمليات خاصة واستهدافات نوعية حظيت باهتمام واسع، من بينها قضية اغتيال فادي البطش خارج قطاع غزة.
ويرى النجار أن هذه المعطيات تجعل من الصعب التعامل مع أبو سفن بالمعايير ذاتها التي تُطبق على بقية الأسماء الواردة في الملف، إذ إن حجم الاهتمام الذي يثيره، وطبيعة الأدوار المنسوبة إليه، يجعلان منه حالة تستدعي تقييمًأ مستقلًا ونظرة مختلفة.
ويضيف أن الحديث عن الأسماء الأكثر أهمية وتأثيرًا داخل هذا الملف يضع أبو سفن في مقدمة القائمة، باعتباره الاسم الأكثر حساسية والأعلى أولوية مقارنة ببقية الأسماء المتداولة، الأمر الذي يفسر حجم الجدل والاهتمام الذي يرافق ذكره في مختلف النقاشات المرتبطة بهذا الملف.
ماذا نعرف عن المجرم حسام الأسطل؟
وبرز اسم حسام عبد المجيد الأسطل، البالغ من العمر نحو خمسين عاماً، وهو ضابط سابق في جهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية، وصادر بحقه حكم بالإعدام بعد إدانته بتهم التخابر والتعاون مع جهازَي الشاباك والموساد منذ تسعينيات القرن الماضي، خلال فترة الحرب، عقب إدراجه في بيان صادر عن وزارة الداخلية في غزة في سبتمبر/أيلول 2025، حذّرت فيه الجمهور من التعامل مع عدد من الأسماء، كان الأسطل أحدها.
ولم يكن اسمه جديداً على المشهدين الإعلامي والأمني في القطاع، إذ سبق أن غادر غزة عام 2010 هارباً من ملاحقة الأجهزة الأمنية، قبل أن يعود عام 2022 إثر عملية متابعة واستدراج انتهت بالقبض عليه.
ومكث الأسطل في سجون غزة بانتظار تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقه، بعد ثبوت مشاركته، إلى جانب آخرين، في اغتيال المهندس الفلسطيني فادي البطش في العاصمة الماليزية كوالالمبور عام 2018، لصالح جهاز الموساد. وبقي قيد الاحتجاز حتى اندلاع معركة طوفان الأقصى والحرب على غزة.
وتشير مصادر أمنية في غزة إلى أنه كان محتجزاً في سجن أصداء جنوب القطاع، قبل أن يتمكّن من الهرب بعد نحو شهرين من بدء الحرب، مع ترجيحات بحدوث تدخل إسرائيلي ساعدهم على الفرار.
أما المرحلة التي تلت هروبه من السجن فتظلّ غامضة، إذ لا تتوافر معطيات دقيقة حول نشاطاته خلالها، غير أن مصادر محلية وأمنية تفيد بأنه التزم الاختفاء ولم يمارس أي نشاط يُذكر، مكتفياً بالتواري عن أعين أجهزة أمن المقاومة في غزة.
وتشير هذه المصادر إلى أنه كان مختبئاً في منطقة المواصي جنوب القطاع، ويتلقى الدعم والرعاية من بعض المقرّبين.
واستمر هذا الوضع إلى أن استشهدت ابنته نهاد، البالغة من العمر 22 عاماً، في قصف إسرائيلي استهدف خيمة كانت تؤويها مع أطفالها جنوب القطاع. بعد هذا الحدث، خرج حسام الأسطل (أبو سفن) من مخبئه، ثم اختفى لفترة قصيرة، قبل أن تتردّد بين السكان أنباء عن التحاقه بميليشيا ياسر أبو شباب المتعاونة مع الاحتلال شرق رفح.
تأسيس أبو سفن لمجموعته الخاصة
في أغسطس/آب 2025، ظهر حسام الأسطل (أبو سفن) في مقطع مصوّر عبر منصات التواصل الاجتماعي، معلناً تأسيس ميليشيا مسلحة خاصة به.
وأفاد في ظهوره أنه انشق عن ميليشيا ياسر أبو شباب، التي قُتل زعيمها ياسر أبو شباب في الرابع من ديسمبر/كانون الأول الماضي، من دون أن يشير إلى وجود خلافات مباشرة بينهما.
وأوضح الأسطل أن الهدف المعلن لميليشيته يتمثل في محاربة حركة حماس والمقاومة في قطاع غزة، مدّعياً أنه يعمل ضمن مشروع مشترك مع ميليشيات أخرى تحت اسم “غزة الجديدة”، يقوم على بسط السيطرة على كامل مناطق القطاع بعد إقصاء حركة حماس.
وترتكز السردية العلنية للميليشيا، التي تسعى من خلالها إلى اكتساب شرعية واستقطاب منتسبين جدد، على تحميل حماس والمقاومة مسؤولية معاناة سكان غزة والدمار الذي لحق بالقطاع، مع تجاهل دور جيش الاحتلال الإسرائيلي.
غير أن الإعلان العلني عن تبنّي جهاز الشاباك الإسرائيلي دعم هذه الميليشيات، والكشف عن دوره في تشكيلها، أفرغ تلك الشعارات من مضمونها، ووضع هذه المجموعات في مواجهة مباشرة مع القيم الوطنية الراسخة لدى المجتمع الفلسطيني في غزة، التي ترفض أي شكل من أشكال التعاون مع الاحتلال.
وأدى ذلك إلى عزل هذه الميليشيات اجتماعياً، وحرمانها من أي غطاء شعبي، إذ أقدمت عائلات عدة على التبرؤ من أبنائها المنتمين إليها، من بينها عائلة حسام الأسطل نفسها، التي أعلنت براءتها منه في سبتمبر/أيلول 2025.
وأعلنت عائلة الأسطل، عن براءتها الكاملة من المدعو حسام الشهير بـ”أبو سفن”، مؤكدة أنه لا يمت بأي صلة لتاريخها أو قيمها وأن أفعاله لا تمثل إلا نفسه وجلبت الأذى له ولعائلته ومجتمعه بأسره.
واتخذت ميليشيا الأسطل من منطقة قيزان النجار جنوب شرقي مدينة خان يونس مقراً رئيسياً لها، وهي مسقط رأسه، حيث يقيم عناصر المجموعة برفقة عائلاتهم. وتقدّر الأجهزة الأمنية عدد أفرادها بنحو 50 عنصراً تقريباً.
وجاء هذا التوسع بالتزامن مع تقارير إسرائيلية أفادت بأن جهاز الشاباك أوعز إلى الميليشيات الموالية له بتوسيع تحركاتها على جانبي “الخط الأصفر”.
وبذلك، باتت مجموعة الأسطل تتقاسم النفوذ في المناطق الجنوبية من قطاع غزة مع ميليشيا أبو شباب، التي رُصدت بدورها وهي تنفذ أنشطة خارج نطاق تمركزها الأساسي شرق رفح، لا سيما في منطقة الشوكة. وكان أبرز هذه الأنشطة مرافقة طواقم فنية تابعة لمؤسسة غزة الإنسانية (GHF)، في أثناء عملها على إنشاء مركز توزيع قرب معبر كوسوفيم.
وفي تقارير صحفية إسرائيلية تحدثت عن قيامها بمهام ميدانية، مثل التمشيط والحراسة الحدودية، لصالح قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي العاملة على الأرض.
وتؤكد مصادر في الأجهزة الأمنية في غزة هذه الروايات، مضيفة أن المجموعة تورطت في ارتكاب جرائم متعددة بحق مدنيين عزل ومقاومين.
كما أفاد مصدر أمني بأن المجموعة تقف خلف عمليتَي اغتيال نُفذتا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025. الأولى استهدفت محمد أبو مصطفى، الذي تتهمه أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بالانتماء إلى كتائب المجاهدين وبالضلوع في احتجاز عائلة بيسباس الإسرائيلية داخل غزة.
وأعلنت الأجهزة الأمنية حينها اعتقال أحد المتورطين في العملية، ويدعى م.م، الذي أقرّ بانتمائه إلى مجموعة الأسطل وتنفيذه الاغتيال بتوجيه مباشر منه، فيما تستمر الوزارة في ملاحقة المتعاون مع الاحتلال مصطفى مسعود الذي يعمل في الميليشيا.
أما العملية الثانية فاستهدفت وسيم عبد الهادي، المنتمي إلى ألوية الناصر صلاح الدين، الذي تتهمه إسرائيل بالتواصل مع عناصر مقاومة في الضفة الغربية ونقل أموال إليهم.
فيما تبنى حسام الأسطل في فيديو نشره على وسائل التواصل الاجتماعي عملية اغتيال المقدم في الأجهزة الأمنية الفلسطينية محمود الأسطل الذي استشهد في 12 يناير/كانون الثاني الماضي.
التنسيق والدعم المادي واللوجستي
وتؤكد عدة مصادر محلية وأمنية، أن حسام الأسطل وميليشياته يتلقون توجيهات ودعماً مالياً ولوجستياً من جهات إسرائيلية وغير إسرائيلية.
ووفقاً لتقارير صحفية إسرائيلية، زوّد جيش الاحتلال الميليشيات الموالية له، ومن بينها ميليشيا أبو سفن، بكميات من السلاح والذخائر، مصدرها الأسلحة التي صودرت خلال العمليات العسكرية في قطاع غزة وجنوب لبنان.



