على خطى “جيش لحد”.. كواليس الأيام الأخيرة للمليشيات المدعومة من “إسرائيل”

تُطرح تساؤلات متزايدة حول مصير المليشيات المسلحة في قطاع غزة في ظل الاتفاق المطروح، حيث تشير مصادر في حركة حماس إلى أنه قد يتضمن بندًا يقضي بحل العصابات المسلحة والميليشيات التي شكّلها الاحتلال ضمن الترتيبات الأمنية والإدارية للمرحلة المقبلة.
وبحسب تلك المصادر، فإن هذا البند يأتي في إطار التفاهمات المتعلقة بتنفيذ الاتفاق، ويستهدف إنهاء وجود تلك التشكيلات التي أنشأها الاحتلال، بالتوازي مع بقية الإجراءات المتفق عليها ضمن المرحلة الانتقالية.
ويأتي ذلك في ظل استمرار المفاوضات بشأن المرحلة الثانية من الاتفاق، التي تتناول ملفات وقف إطلاق النار، وإدارة قطاع غزة، وإعادة الإعمار، وترتيبات اليوم التالي للحرب، وسط استمرار النقاش حول آليات التنفيذ وتسلسل الالتزامات بين الأطراف.
وفي السياق، كشفت مصادر خاصة أن بعض قادة المليشيات العميلة من مشغليهم في الشاباك العمل على مساعدتهم للسفر مع عوائلهم خارج القطاع إما إلى داخل الأراضي المحتلة أو إلى دول مستضيفة، وقوبل طلبهم بالرفض بحجة عدم وجود أي دول تقبل باستقبالهم، وقد يتم استقبالهم في مخيمات بالنقب المحتل دون أي حقوق.
وأضافت المصادر أن العميـل غسان الدهيني أدرك أن مرحلة المليشيات شارفت على الانتهاء ليقوم بترحيل جميع نساء عائلته وأطفالهم إلى الأردن والضفة الغربية، بتسهيلات من محمود الهباش.
لم تكن محاولات الاحتلال الاسرائيلي إنشاء مليشيات محليّة موالية له في قطاع غزة سابقةً جديدة في تاريخه، بل امتدادًا لنهج اعتمده في أكثر من ساحة، كان أبرزها جنوب لبنان، حيث انتهت مليشياته إلى الانهيار مع أول انسحاب للاحتلال، تاركةً وراءها نموذجًا يرله باحثون دليلًا على أن الرهان على الاحتلال ينتهي دائمًا بالخسارة.
ولطالما شكّلت تجربة ما عُرف بـ “جيش لبنان الجنوبي” مثالًا بارزًا في تاريخ المنطقة على مصير الميليشيات التي ارتبطت بالاحتلال الإسرائيلي، فقد تأسس هذا التشكيل المسلح في جنوب لبنان بقيادة الضابط المنشق سعد حداد، بدعم مباشر من إسرائيل، ليكون قوة محلية تواجه فصائل المقاومة اللبنانية والفلسطينية.
ومع مرور السنوات، توسعت هذه القوة حتى وصل عدد عناصرها وفق تقديرات مختلفة إلى أكثر من 20 ألف مسلح، قبل أن يتولى قيادتها لاحقًا أنطوان لحد بعد وفاة حداد.
وقد حظيت هذه الميليشيا بدعم عسكري ومالي كبير من إسرائيل، حتى بدت في كثير من الأحيان وكأنها امتداد ميداني للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، ورغم سنوات طويلة من الدعم والتنسيق الوثيق مع القيادة الإسرائيلية، فإن نهاية هذه المليشيات جاءت سريعة ومفاجئة.
فمع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، انهارت قوات “جيش لبنان الجنوبي” خلال أقل من 24 ساعة، وفرّ العديد من قادتها وعناصرها إلى داخل فلسطين المحتلة، في مشهد اعتبره كثير من المراقبين دليلًا على هشاشة التشكيلات المسلحة المرتبطة بقوى خارجية.
المليشيات في غزة وجيش لحد.. نهاية واحدة !
في السياق، تناول الكاتب السياسي اللبناني عماد خشمان ظاهرة “وكلاء الاحتلال” وتاريخ الميليشيات المتعاونة، موضحًا أن قوى الاحتلال عبر التاريخ لم تعتمد على آلتها العسكرية فحسب، إنما سعت دائماً لاستنساخ “أدوات محلية” تتولى مهام تبرير سياساتها أو تنفيذ مهام تعجز هي عن مواجهتها مباشرة، مشيرًا إلى أن ما يجري اليوم في غزة هو محاولة لإعادة إنتاج هذه الظاهرة القديمة.
واستحضر خشمان تجربة الاحتلال “الإسرائيلي” لجنوب لبنان (1978-2000)، وتحديداً “ميليشيا جيش لحد”، معتبرًا إياها النموذج التحذيري الأوضح لكل من يراهن على الاحتلال في غزة.
وقال الكاتب: “لقد اعتقد أفراد تلك الميليشيات أن ارتباطهم بإسرائيل سيمنحهم مستقبلًا آمنًا، لكن بمجرد أن بدأت موازين القوى بالتبدل تحت ضربات المقاومة، وانسحب الجيش الإسرائيلي عام 2000، انهارت تلك البنى بشكل مذهل، وتحول أفرادها وقادتها من أدوات وظيفية في مشروع الاحتلال إلى عبء تخلص منه بأسرع ما يمكن”.
وأضاف: “التجارب التاريخية تظهر أن القوى المحتلة عندما تتغير ظروفها أو تنتفي الحاجة لهؤلاء المتعاونين، يصبحون عبئاً يمكن التخلي عنه بسهولة، ويبقى أصحاب هذا الرهان عالقين بين خسارتين: خسارة وطنهم وخسارة المحتل الذي لم يرَ فيهم يومًا سوى أدوات مؤقتة”.
وأكد أن “ما يجري اليوم في غزة هو حلقة جديدة من مسلسل تكرر في الجزائر وجنوب أفريقيا وجنوب لبنان؛ فالمحتلون يرحلون في نهاية المطاف، ويبقى التاريخ شاهدًا على أن الرهان على الاحتلال كان دائمًا رهانًا خاسرًا، وأن الأكثر تكرارًا في تاريخ الخيانة ليس نجاحها، بل نهايتها المأساوية”.



