بأرقام صادمة.. كارثة إنسانية تنهش النازحين بعد إغلاق المقر الرئيسي لـ “المطبخ العالمي” في غزة

في الوقت الذي تشتد فيه أنياب الجوع وتضيق سبل العيش على مئات آلاف العائلات النازحة في قطاع غزة، تلقى المشهد الإنساني ضربة هي الأعنف من نوعها، حيث أعلنت منظمة المطبخ العالمي (WCK) عن خطوة مفاجئة وقاسية تمثلت في إغلاق مقرها الرئيسي في مدينة دير البلح وسط القطاع، وتسريح 500 موظف وعامل من طواقمها بشكل كامل، بالتوازي مع إبلاغ فرعها في شمال غزة بتقليص أيام الدوام الرسمي كخطوة أولية للإغلاق التام هناك.
هذا التراجع الدراماتيكي للمنظمة الإغاثية الأكبر لم يكن مجرد قرار إداري عابر، بل جاء كثمرة مسمومة لحملة تحريضية وتضليلية شرسة شنتها شبكة أفيخاي التحريضية وأبواقها المأجورة.
حيث تعمدت هذه الشبكة ضخ الشائعات والافتراءات الكاذبة التي تتهم المنظمات الدولية مثل منظمة الغذاء العالمي والمطبخ العالمي بتسهيل تهريب السجائر والممنوعات داخل شاحنات الإغاثة، في خطوة هدفت لشيطنة هذه المنظمات والضغط عليها لدفعها نحو تقليص خدماتها أو الانسحاب طوعاً، لتمرير سياسة التجويع وشرعنة العقاب الجماعي.
أرقام كارثية
وتترجم هذه التقليصات على الأرض إلى كارثة إنسانية حقيقية، حيث أعلنت المنظمة تراجع مستويات الطهي والوجبات الساخنة لتصل إلى 200 ألف وجبة يومياً فقط، بعد أن كانت المنظمة تقدم مليون وجبة يومياً للعائلات النازحة والمحاصرة منذ أواخر عام 2025 استجابة لانهيار إمدادات الغذاء؛ مما يعني حرمان 800 ألف مواطن يومياً من وجبتهم الرئيسية، وترك العائلات فريسة مباشرة للجوع.
وأوضحت المنظمة في بيانها أن العودة إلى مستويات الطهي التي سبقت اتفاق وقف إطلاق النار (الموقع في 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي) جاءت نتيجة “ضغوط مالية” حادة، مشيرة إلى أنها تعتمد على تبرعات خاصة من متبرعين صغار، وأنه لا يمكن لمنظمة واحدة تحمل مسؤولية إطعام قطاع بأكمله إلى أجل غير مسمى، لاسيما وأنها استثمرت منذ بداية الحرب في عام 2023 أكثر من نصف مليار دولار (500 مليون دولار) للإغاثة الطارئة في غزة.
ولم تكن هذه الضربة هي الأولى، إذ سبقتها المنظمة في نيسان/ أبريل الماضي بإيقاف دعمها للدقيق المقدم للمخابز، حيث كانت تورد ما بين 20 إلى 30 طناً يومياً من الدقيق لإنتاج الخبز المدعوم بأسعار رمزية، مما ساهم في تفاقم أزمة الرغيف بشكل حاد.
تنصل إسرائيلي واضح
وتأتي هذه الانسحابات والتقليصات الإغاثية في ظل واقع إنساني مرير يعيشه القطاع، فرغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن الأوضاع المعيشية لم تشهد أي تحسن ملحوظ جراء تنصل الاحتلال من التزاماته بفتح المعابر.
وبينما نص البروتوكول الإنساني في الاتفاق على إدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً، لم تلتزم “إسرائيل” بهذه الأرقام، حيث لم تتجاوز الكميات المدخلة 38% فقط مما كان يدخل قبل الحرب وفقاً لمعطيات المكتب الإعلامي الحكومي بغزة.
هذا الشح المتعمد في الإمدادات يضرب مجتمعاً يعيش فيه 1.9 مليون نازح (من أصل 2.4 مليون فلسطيني) في خيام مهترئة تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
ووفقاً لتقارير برنامج الأغذية العالمي ومكتب “أوتشا” الأممي، فإن 1.6 مليون شخص في غزة (بنسبة 77% من السكان) يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، من بينهم أكثر من 100 ألف طفل و37 ألف سيدة حامل ومرضع باتوا اليوم بلا غطاء إغاثي يحميهم من سوء التغذية الحاد.
شبكة أفيخاي.. شيطنة الضحية وتفكيك تكايا الغداء
ويرى مختصون ومحللون أن الهجوم المنظم الذي يقوده نشطاء شبكة أفيخاي ضد “المطبخ العالمي” ليس حراكاً عفوياً، بل هو استراتيجية إسرائيلية ممنهجة تعتمد على تضخيم الهوامش واختلاق الأكاذيب.
فعندما يعجز جيش الاحتلال عن منع دخول المساعدات بالكامل بسبب الضغوط الدولية، يحرك أذرعه الإعلامية لبث الفوضى والشبهات حول طواقم الإغاثة لتفكيك المطابخ الإنسانية و”التكايا” التي تشكل الملاذ الأخير للمواطنين.
وتكمن الخطورة الكبرى في أن تقارير وتحريض هذه الشبكة المأجورة لا تقف عند حدود منصات التواصل؛ بل غالباً ما تمثل بنك أهداف أولي يعقبه استهداف ميداني وقصف مباشر لقوافل المساعدات ومقرات المنظمات الدولية على الأرض.
وبذلك، يتقاضى هؤلاء النشطاء ثمن تبرير أفعال الجلاد وشيطنة الضحية، والمساهمة المباشرة في سياسة التجويع التي خلفتها حرب الإبادة الجماعية منذ بدئها في 8 أكتوبر 2023، والتي راح ضحيتها حتى الآن أكثر من 72 ألف شهيد و172 ألف جريح، ودمار 90% من البنية التحتية بتكلفة إعمار تقدرها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.
تداعيات إغلاق المطبخ العالمي
ويرى مختصون أن إغلاق مقر المطبخ العالمي في دير البلح وتسريح 500 موظف هو النتيجة الميدانية المباشرة للحرب الناعمة التي تديرها مخابرات الاحتلال عبر “شبكة أفيخاي”.
فالاحتلال يستخدم أدواته لنشر فبركات تهريب الممنوعات لضرب مصداقية المؤسسات الدولية أمام مانحيها ومموليها في الخارج، مما يجبرها على الانكماش والانسحاب.
هذا التحريض هو توطئة وتشجيع للاحتلال لمواصلة إغلاق المعابر والتنصل من إدخال الـ 600 شاحنة المقرة في اتفاق وقف النار، مما يفرض على الحاضنة الشعبية والجهات المختصة ضرورة ملاحقة وعزل هذه الأبواق التحريضية التي تتاجر بقوت الأطفال النازحين.
ويقول المختصون إن تراجع إنتاج وجبات الطعام من مليون وجبة إلى 200 ألف وجبة يومياً في ظل وجود 77% من السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فهذا يعني دفع مئات آلاف العائلات نحو مربع المجاعة الحقيقية بشكل متسارع.
ويؤكد هؤلاء أن تفكيك التكايا والمطابخ الإنسانية بناءً على شائعات كاذبة هو تفريغ للمعانة الإنسانية من محتواها، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لتوفير تمويل آمن ومستدام لإنقاذ ما تبقى من شريان الحياة في قطاع غزة المحاصر.
ويضع إغلاق المقر الرئيسي للمطبخ العالمي علامات استفهام كبرى وخطيرة حول مصير العمل الإغاثي في قطاع غزة، ويؤكد أن المعركة الإعلامية وشائعات “شبكة أفيخاي” باتت سلاحاً جوهرياً يعمق سياسة التجويع تماماً كالحصار العسكري.
خفايا المكتب الإعلامي الجديد للميليشيات.. الاحتلال يوظف أصحاب السوابق لإدارة الحرب النفسية بغزة



