جشعٌ على الأنقاض.. “اقتصاد المولدات” يُحيل حياة الغزيين إلى جحيم واستنزاف

يعيش قطاع غزة على وقع أزمة خدماتية وإنسانية غير مسبوقة، فبينما غيبت الحرب الشاملة المنظومة الرسمية للطاقة، تحول الخيار البديل المتمثل في “اقتصاد المولدات الخاصة” من طوق نجاة مؤقت من الظلام الدامس إلى وسيلة احتكارية جديدة تستنزف جيوب الأهالي المنكوبين وتهدد قدرتم على الصمود، وسط تلاعب بالأسعار وغياب شبه تام للجهات الرقابية.
وتكشف البيانات الرسمية حجم الدمار الهائل الذي أصاب قطاع الطاقة في غزة منذ بدء الحرب، حيث أسفر العدوان عن تدمير بنيوي شامل أخرج الشبكات الوطنية من الخدمة بالكامل:
خسائر الطاقة: خسارة نحو 2.1 مليار كيلوواط/ساعة من الكهرباء نتيجة التوقف الكلي لمصادر التغذية.
الخسائر المادية: تجاوزت الأضرار المباشرة 728 مليون دولار أمريكي.
تدمير البنية التحتية: تدمير أكثر من 70% من شبكات التوزيع، و80% من المركبات والآليات الهندسية، و90% من المخازن والمقرات الرسمية.
هذه الأرقام الصدمية تؤكد شللاً تائماً للشبكة العامة، ما يجعل الحديث عن عودة قريبة للكهرباء عبر القنوات التقليدية أمراً غير معقود عليه في المدى القريب، ويفسح المجال كاملاً أمام أصحاب المولدات الخاصة للتفرد بالشارع.
استغلال وجشع
وعلى وقع غياب المنافسة والرقابة، يفرض مشغلو المولدات أحكاماً قاسية تسهم في مضاعفة معاناة النازحين والأهالي الذين يعانون أساساً من انعدام الدخل.
وتتجسد أشكال هذا الاستغلال في عدة مظاهر ميدانية أهمها الأسعار الخيالية والتفاوت الجغرافي حيث تراوح سعر الكيلوواط/ساعة بين 20 إلى 35 شيقلاً، مع فرض كل صاحب مولد نفوذه على منطقة جغرافية محددة دون أدنى منافسة.
ويعتبر الحد الأدنى تعسفي للاستهلاك عبر إلزام المشتركين بدفع رسوم أسبوعية ثابتة (تصل لـ 30 شيقلاً) حتى لو كان الاستهلاك الفعلي للعائلة لا يتجاوز 12 شيقلاً.
كما أن خدمة رديئة ومواد مغشوشة عبر تشغيل المولدات باستخدام زيوت تجارية رديئة أو زيوت الطهي البديلة والسولار غير المخصص، مما يتسبب بتلوث وأعطال مستمرة.
ويعاني المشتركين من قطع متكرر وتلاعب عبر انقطاع التيار الكهربائي أكثر من 7 إلى 10 مرات يومياً وتلف الخطوط دون مراعاة لحقوق المشتركين أو خصم فترات الانقطاع من الفاتورة النهائية، فضلاً عن وجود شبهات تلاعب بالعدادات.
ويرتفع منسوب الاستغلال خصوصاً في المواسم حيث تتزايد الحاجة لإضاءة الأسواق وتشغيل الثلاجات ومحلات التبريد، فتتضاعف الفواتير لتسحق أي قدرة على الاحتفال أو الصمود.
وفي إطار متابعة الدور الرسمي، أوضح محمد ثابت، مدير العلاقات العامة والإعلام في شركة توزيع كهرباء غزة، أن الشركة لا تمتلك مولدات تجارية خاصة كالتي يديرها القطاع الخاص حالياً، لكنها قدمت ضمن خطط التعافي المبكر مقترحات استراتيجية لتوفير مولدات متنقلة تستهدف إنارة مراكز الإيواء وتشغيل آبار المياه للحد من الكارثة.
وأكد ثابت أن تنظيم قطاع المولدات وتحديد سقف أسعار خدماته يقع حصراً ضمن صلاحيات ومسؤوليات سلطة الطاقة الفلسطينية، مشدداً على أن الكهرباء ليست رفاهية، بل هي حق أساسي؛ لأن غيابها يعني توقف قطاعات الصحة والتعليم والمياه وتأفل معه المقومات الأساسية للحياة.
مطالبات بالتدخل
ويرى خبراء واقتصاديون أن ترك قطاع المولدات يدار بمنطق السوق السوداء يكرس تشوهاً اقتصادياً خطيراً يتربح من ويلات الحرب، داعين الجهات المعنية والرقابية إلى اتخاذ خطط طارئة تشمل تحديد أسعار عادلة لسعر الكيلوواط تلائم التكلفة الحقيقية للوقود وتضبط الحد الأدنى للرسوم، وكسر الاحتكار الجغرافي ومنع التلاعب بالعدادات والجودة، وإعادة تفعيل حلول الطاقة البديلة والمنظومات المتنقلة للمؤسسات والخدمات الحيوية.
وتبقى الكهرباء ركيزة أساسية لصمود المواطن الفلسطيني على أرضه، وضبط هذا القطاع بات مطلباً وطنياً عاجلاً لوقف استنزاف ما تبقى من رمق الأهالي في قطاع غزة.
كيف تمارس شبكة “أفيخاي” التحريضية حربًا ممنهجة ضد الشرطة الفلسطينية في غزة؟



