من جيش “لحد” إلى غزة.. التاريخ يكشف المصير المحتوم للمليشيات العميلة !

لم تكن محاولات الاحتلال الاسرائيلي إنشاء مليشيات محليّة موالية له في قطاع غزة سابقةً جديدة في تاريخه، بل امتدادًا لنهج اعتمده في أكثر من ساحة، كان أبرزها جنوب لبنان، حيث انتهت مليشياته إلى الانهيار مع أول انسحاب للاحتلال، تاركةً وراءها نموذجًا يرله باحثون دليلًا على أن الرهان على الاحتلال ينتهي دائمًا بالخسارة.
ولطالما شكّلت تجربة ما عُرف بـ “جيش لبنان الجنوبي” مثالًا بارزًا في تاريخ المنطقة على مصير الميليشيات التي ارتبطت بالاحتلال الإسرائيلي، فقد تأسس هذا التشكيل المسلح في جنوب لبنان بقيادة الضابط المنشق سعد حداد، بدعم مباشر من إسرائيل، ليكون قوة محلية تواجه فصائل المقاومة اللبنانية والفلسطينية.
ومع مرور السنوات، توسعت هذه القوة حتى وصل عدد عناصرها وفق تقديرات مختلفة إلى أكثر من 20 ألف مسلح، قبل أن يتولى قيادتها لاحقًا أنطوان لحد بعد وفاة حداد.
وقد حظيت هذه الميليشيا بدعم عسكري ومالي كبير من إسرائيل، حتى بدت في كثير من الأحيان وكأنها امتداد ميداني للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، ورغم سنوات طويلة من الدعم والتنسيق الوثيق مع القيادة الإسرائيلية، فإن نهاية هذه المليشيات جاءت سريعة ومفاجئة.
فمع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، انهارت قوات “جيش لبنان الجنوبي” خلال أقل من 24 ساعة، وفرّ العديد من قادتها وعناصرها إلى داخل فلسطين المحتلة، في مشهد اعتبره كثير من المراقبين دليلًا على هشاشة التشكيلات المسلحة المرتبطة بقوى خارجية.
المليشيات في غزة وجيش لحد.. نهاية واحدة !
في السياق، تناول الكاتب السياسي اللبناني عماد خشمان ظاهرة “وكلاء الاحتلال” وتاريخ الميليشيات المتعاونة، موضحًا أن قوى الاحتلال عبر التاريخ لم تعتمد على آلتها العسكرية فحسب، إنما سعت دائماً لاستنساخ “أدوات محلية” تتولى مهام تبرير سياساتها أو تنفيذ مهام تعجز هي عن مواجهتها مباشرة، مشيرًا إلى أن ما يجري اليوم في غزة هو محاولة لإعادة إنتاج هذه الظاهرة القديمة.
واستحضر خشمان تجربة الاحتلال “الإسرائيلي” لجنوب لبنان (1978-2000)، وتحديداً “ميليشيا جيش لحد”، معتبرًا إياها النموذج التحذيري الأوضح لكل من يراهن على الاحتلال في غزة.
وقال الكاتب: “لقد اعتقد أفراد تلك الميليشيات أن ارتباطهم بإسرائيل سيمنحهم مستقبلًا آمنًا، لكن بمجرد أن بدأت موازين القوى بالتبدل تحت ضربات المقاومة، وانسحب الجيش الإسرائيلي عام 2000، انهارت تلك البنى بشكل مذهل، وتحول أفرادها وقادتها من أدوات وظيفية في مشروع الاحتلال إلى عبء تخلص منه بأسرع ما يمكن”.
وأضاف: “التجارب التاريخية تظهر أن القوى المحتلة عندما تتغير ظروفها أو تنتفي الحاجة لهؤلاء المتعاونين، يصبحون عبئاً يمكن التخلي عنه بسهولة، ويبقى أصحاب هذا الرهان عالقين بين خسارتين: خسارة وطنهم وخسارة المحتل الذي لم يرَ فيهم يومًا سوى أدوات مؤقتة”.
وأكد أن “ما يجري اليوم في غزة هو حلقة جديدة من مسلسل تكرر في الجزائر وجنوب أفريقيا وجنوب لبنان؛ فالمحتلون يرحلون في نهاية المطاف، ويبقى التاريخ شاهدًا على أن الرهان على الاحتلال كان دائمًا رهانًا خاسرًا، وأن الأكثر تكرارًا في تاريخ الخيانة ليس نجاحها، بل نهايتها المأساوية”.
غزة تعيد المشهد.. العملاء إلى مصير واحد
فيما يرى الكاتب والباحث في الشأن “الإسرائيلي”، بلال اللقيس، أن ما تشهده قطاع غزة من محاولات لبعض المجموعات “العميلة” لإثارة الفوضى ونشر دعوات مشبوهة، خاصة في ظل التحركات التي يجري الترويج لها في 26 يونيو الجاري، تمثل نموذجًا ساقطًا أخلاقيًا ووطنيًا، مشبهًا إياها بتجربة مليشيات “انطوان لحد” و”سعد حداد” التي سقطت في لبنان إبان الاحتلال “الإسرائيلي”.
واستحضر الباحث اللقيس تجربة جنوب لبنان، موضحًا أن التاريخ يعيد نفسه في غزة بأشكال قد تبدو أصغر حجماً وبلا حاضنة شعبية، لكنها تحمل ذات “الجينات الحقيرة”.
وأشار إلى أن الاحتلال غالبًا ما يستخدم هذه الأدوات لتنفيذ جرائمه، مذكرًا بمجازر مثل “صبرا وشاتيلا”، التي أوكل الاحتلال مهمة تنفيذها لأطراف لبنانية متواطئة، وهو ما يضع هؤلاء “العملاء” في خانة واحدة مع الاحتلال في سجل الإجرام واللاأخلاقية.
وشدد اللقيس على أن هؤلاء المتواطئين يراهنون على خيار خاسر، خاصة وأن الاحتلال يواجه تراجعاً استراتيجيًا في المنطقة، بينما تزداد قوة جبهات المقاومة، داعيًا الشعب الفلسطيني إلى ممارسة القصاص المباشر بحق هؤلاء العملاء عند التأكد من أفعالهم، ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه السير في هذا الطريق.
طالع المزيد: مقتل العميل جراد وغموض تصفية “زيتونة” يفضحان علاقة الاحتلال بعملائه ! (إليك التفاصيل)
تفكك العصابات في غزة.. اعتراف إسرائيلي بفشل المشروع
ميدانيًا، تكشف الوقائع يومًا بعد يوم إلى أن هذه التشكيلات بدأت بالفعل تواجه حالة من التفكك والانقسام الداخلي، فقد شهدت بعض هذه العصابات حالات انسحاب لعناصرها، نتيجة تراجع الثقة بالجهات التي قامت بتجنيدهم، خاصة بعد انكشاف عدم صحة العديد من الوعود التي قُدمت لهم، إلى جانب شعور متزايد بعدم الأمان داخل تلك المجموعات.
ويرى مراقبون أن هذه المؤشرات قد تكون بداية لمسار مشابه لما حدث مع ميليشيا أنطوان لحد في جنوب لبنان، حين انهارت سريعًا بعد فقدان الغطاء السياسي والعسكري الذي كانت تعتمد عليه.
وفي ظل التطورات الحالية في غزة، يعتقد محللون أن هذه التجربة التاريخية تبقى حاضرة في الذاكرة السياسية للمنطقة، بوصفها مثالًا واضحًا على المصير الذي تواجهه الجماعات المرتبطة بالمشاريع الخارجية عندما تتبدل موازين القوى.
وفي اعتراف إسرائيلي، أقرّت صحيفة عبرية بفشل مشروع تشكيل الميليشيات المتعاونة مع الاحتلال الإسرائيلي داخل ما يسمى “الخط الأصفر”، كبديل لحركة حماس في قطاع غزة.
وذكرت صحيفة “زمان يسرائيل”، الميليشيات المدعومة إسرائيليًّا لم تحقق أي إنجاز على الأرض حتى الآن وأن التعويل عليها كان مبالغًا فيه، مشيرة إلى أن أعداد تلك الميليشيات ما زالت قليلة ولا يمكنها مواجهة مقاتلي حماس.
وعزت عدم تمكن تلك الميليشيات من تشكيل بديل لحماس بكون قادتها من أصحاب السوابق ولا يحظون بأي قبول مجتمعي، ومن بينها جماعة “أبو شباب” (الدهيني حاليًا) المتورطة بأعمال السطو والقتل والتهريب.
ونقلت الصحيفة عن الخبير الإسرائيلي في الشأن الفلسطيني “ميخائيل ميلشتاين” قوله إنه غزة تحولت إلى حقل للفانتازيا الإسرائيلي بما في ذلك تلك الميليشيات، ولكن يبدو أن تلك العصابات لا تشكل تحديًا جوهريًّا لحركة حماس في المناطق المأهولة من القطاع، وبقيت التطلعات العريضة لتلك الجماعات دون رصيد على الأرض”.
وأكد أن “تأثير تلك الميليشيات ضئيل جدًّا على الغزيين، وبعض من تحدثت معهم من القطاع أظهروا عداءً لها”.
وأشار “ميلشتاين” إلى أن الكيان أخطأ الاختيار بتجنيده عناصر غير مقبولة مجتمعيًّا في القطاع، قائلًا إنه “من الواضح تمامًا أننا اخترنا الطبقة السفلى من المجتمع الفلسطيني، طبقة المجرمين وشخصيات ذات سمعة سيئة من خلال الاعتقاد بأنهم سيشكلون بديلًا لحكم حماس”.
وتابع “لا أحد يتوقف ليسأل نفسه إلى أين يسير كل هذا الهراء، هل يساعدنا ذلك، هل يضر بنا؟ هل علينا تغيير هذا المشروع أو إلغاؤه؟ لم يقم أحد من الجيش أو الشاباك على مدار العامين الماضيين بفحص مدى جدوى تلك العصابات وقدرتها على خلق البديل لحماس”.



