سقوطُ أدوات العمالة في فخّ “ضرغام”.. الدلالات الأمنية لملحمة رفح

شكلت الملحمة البطولية التي خاضها الشهيد تامر أبو سنيمة (المعروف بلقب “ضرغام”) في مناطق غربي مدينة رفح نقطة تحول ميدانية وأمنية فارقة، كشفت بوضوح طبيعة المعركة الممتدة بين الشعب الفلسطيني وحاضنته الوطنية من جهة، وبين عصابات الفلتان والعملاء التابعة للعميل غسان الدهيني والمدعومة غطاءً وناراً من جيش الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى.
ولم تكن هذه المواجهة مجرد حدث عابر، بل حملت في ثناياها دلالات استراتيجية عميقة تسلط الضوء على هشاشة الأدوات الاستخباراتية الوظيفية وحتمية يقظة الجبهة الداخلية.
وتتجلى أولى هذه الدلالات في الفشل الميداني الذريع لمليشيات الدهيني؛ فعلى الرغم من اقتحامها لمنطقة “الإقليمي” تحت تغطية نارية هستيرية وبغطاء جوي ومدفعي إسرائيلي بهدف اختطاف الشهيد، إلا أن سرعة بديهة “ضرغام” والاشتباك المباشر من المسافة صفر أديا إلى تصفية 3 من عناصر القوة المقتحمة وإصابة آخرين، ما أجبر المليشيات الإجرامية على سحب قتلاها على “عربة يجرها حمار”.
هذا الانهيار السريع يثبت أن تلك المليشيات ليست سوى هياكل كرتونية عاجزة عن المواجهة المباشرة مع رجال الميدان، وأن وجودها مرهون كلياً بالتدخل الإسرائيلي العسكري المباشر لحمايتها عند كل انكشاف.
وتكشف الدلالة الثانية عن السلوك الانتقامي المفلس الذي مارسته العصابات عقب هزيمتها، حيث عمدت إلى إطلاق النار العشوائي باتجاه خيام النازحين من عشيرتي “الصوفي” و”أبو سنيمة”، بالتزامن مع قصف مدفعي ودخاني مكثف من قوات الاحتلال المتمركزة على “الخط الأصفر”، مما أدى لارتقاء سيدة وطفلة وإصابة امرأة مسنة.
هذا التساوق الميداني السافر بين قصف الاحتلال واعتداءات المليشيات يقطع الشك باليقين حول الرعاية الاستخباراتية المباشرة لهذه العصابات، والتي تتخذ من استهداف السلم الأهلي وإرهاب العائلات والعشائر وسيلة لتعويض فشلها في تنفيذ مهام الاختطاف والتصفية.
وعلى المستوى التحليلي والاجتماعي، أثارت العملية موجة تفاعل عارمة بين الكُتاب والناشطين على منصات التواصل الاجتماعي، الذين اعتبروا العملية درساً قاسياً في الوعي واليقظة الأمنية.
وفي هذا السياق، قدم الكاتب الصحفي محمد النجار قراءة مكثفة لأهمية الحدث ودلالاته الميدانية قائلاً: إن “ما حدث في رفح هذه الليلة رغم فداحة المصاب بارتقاء تامر أبو سنيمة، يحمل في تفاصيله ما يستحق التوقف عنده.. فإلى جانب الحزن على فقدانه، تبرز سرعة البديهة والقدرة على قراءة الموقف والتصرف في لحظات الخطر”.
وتابع “لطالما أكدت على كل من يشعر بأنه يعيش في دائرة الخطر أن يكون يقظاً، منتبهاً لما يدور حوله، مدركاً لتفاصيل محيطه وسريع البديهة في التعامل مع المواقف الطارئة، فبعض اللحظات لا تمنح الإنسان فرصة طويلة للتفكير، إنما تتطلب وعياً وقدرة على تقدير الموقف”.
واستكمالاً لما طرحه النجار، شدد ناشطون وإعلاميون في تعليقاتهم على أن “كمين ضرغام” أرسل رسالة صارمة لكل أجهزة الاحتلال وأدواتها المأجورة في القطاع، مفادها أن غزة المحاصرة والمجوعة تملك من الوعي والجاهزية ما يمكنها من مباغتة الخونة وإحباط مخططاتهم في مهدها.
وأكد المتابعون أن استبسال “ضرغام” حتى ارتقائه بقصف صاروخي مباشر من طائرات الاستطلاع الإسرائيلية، يمثل الحصن الحقيقي للتماسك المجتمعي، حيث يلتحم السلاح الوطني مع الحاضنة العشائرية لرفض الفلتان، وإفشال مخططات “الشاباك” في صناعة فوضى خلاقة خلف الخطوط.
وتُبرز القراءة الميدانية لما بعد ارتقاء الشهيد “ضرغام” أن محاولات الاحتلال المستمرة لتمرير أجندات الفلتان عبر واجهات وعصابات وظيفية تحظى بحماية الطيران والمدفعية، باتت تصطدم بجدار صلب من الوعي الجمعي والتكاتف العشائري؛ إذ لم تُفلح الاعتداءات الخسيسة والقصف الهستيري الذي استهدف خيام عائلتي “الصوفي” و”أبو سنيمة” في إحداث الشرخ المطلوب أو ترهيب الحاضنة الشعبية.
بل على العكس من ذلك وفق التعليقات المتطابقة لناشطين وصحفيين في غزة فقد أسفرت هذه الجريمة عن تمتين أواصر اللحمة بين العائلات التي أدركت حقيقة النوايا الإسرائيلية الهادفة لخلخلة الجبهة الداخلية، مؤكدة أن دماء النساء والأطفال التي سالت في رفح تُحَمِّل الجميع مسؤولية أسرية ووطنية جامعة لعزل كل من يتساوق مع مخططات “الشاباك” وأدواته المأجورة.
ويقول الناشطون إن الدرس الأهم الذي تُرسخه هذه البطولات الفردية والمواقف العشائرية المتضامنة يتجسد في سقوط الرهان الإسرائيلي على تحويل المناطق الخاضعة للحصار والقصف إلى بيئة خصبة للاختراق الأمني أو التصفية الناعمة عبر عملاء مأجورين.
ويتفق المتابعون على أن تجربة رفح أثبتت أن يقظة الأفراد وسرعة بديهتهم، حين تقترن بالإسناد المجتمعي الحاسم، قادرة على إحباط أكثر المخططات الاستخباراتية تعقيداً ودحر أدواتها لتظل غزة بوعيها الشامل وصمود أبنائها عصية على الانكسار، ولتبقى محاولات هندسة الفوضى وتفتيت السلم الأهلي رهانات خاسرة تتحطم دائماً على صخرة التماسك الوطني والكرامة الفلسطينية.
أبو همام جندية.. بوق فتنة يعتاشُ على الدماء لتخريب السلم الأهلي في غزة



