لماذا تغيب المواقف الحاسمة لـ “فتح” والسلطة في تعرية قادة الميليشيات بغزة؟

تصاعدت في الآونة الأخيرة موجة نقاش واسعة وحادة عبر منصات التواصل الاجتماعي والأوساط السياسية الفلسطينية، في أعقاب تكشف وثائق ومعلومات وصور دامغة توثق ارتباط الجزء الأكبر من عناصر الميليشيات المأجورة في قطاع غزة بأجهزة السلطة الفلسطينية وهياكل حركة فتح التنظيمية.
هذا الارتباط الوثيق والعلني فتح الباب أمام تساؤلات شعبية ووطنية حارقة حول طبيعة هذا التداخل، ومبررات الصمت الرسمي المريب، وغياب أي موقف شجاع ومشرف من قيادة السلطة وحركة فتح يقطع الطريق على محاولات تسييس الفلتان الأمني والبلطجة تحت غطاء الرتب العسكرية والرواتب المستمرة.
ويرى نشطاء ومتابعون أن السلوك الحالي يمثل واحداً من أكثر الأدوار إثارة للجدل، حيث تشير الدلائل الميدانية إلى أن الغالبية العظمى من قادة هذه العصابات التي تنشط في مناطق التماس وما يُعرف بالخط الأصفر، لا يزالون مدرجين على كشوفات الرواتب المنتظمة لرام الله، ويتمتعون برتب عسكرية رفيعة تمنحهم غطاءً سياسياً وأمنياً مبطناً.
تداخل فتح وعناصر الميليشيات
وتكشف سجلات الأسماء المتداولة عن عمق هذا التغلغل، فالعميل المجرم الأول في ميليشيات جنوب القطاع المدعو غسان الدهيني، الذي يقود التشكيلات التخريبية شرقي رفح، تبين أنه ضابط رسمي في الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة برتبة ملازم أول، ويضم في صفوفه عناصر مثبتين عسكرياً كحميد الصوفي وأحمد الهمص.
ولا يختلف الحال كثيراً عند العميل حسام الأسطل الذي يدير ميليشيا عميلة شرقي خانيونس مستنداً إلى صفته كضابط في جهاز الأمن الوقائي.
وتصل المفارقة المدوية إلى ذروتها مع المدعو شوقي أبو نصيرة، أحد أبرز الوجوه المتواطئة في إدارة الفلتان، والذي يحمل رتبة لواء في أجهزة السلطة الفلسطينية، بعد أن شغل سابقاً منصب مدير شرطة محافظة رفح في عهدها السابق.
هذا المشهد الفج يمتد إلى شمال القطاع، حيث عمل قائد ميليشيا الشمال أشرف المنسي كعسكري سابق في أجهزة السلطة، ويعتمد بشكل كامل على يده اليمنى المدعو محمد توفيق أبو الكاس، الذي ينتمي حتى اللحظة لجهاز الحرس الرئاسي ولا يزال يتلقى راتبه بانتظام حتى يومنا هذا.
وفي شرقي مدينة غزة، برز اسم العميل رامي حلس كأحد الأعضاء البارزين في حركة فتح قبل أن ينقلب معلناً تشكيل ميليشيا تابعة للاحتلال، محتوياً داخل عصابته عدداً كبيراً من موظفي السلطة، وفي مقدمتهم ناصر الحرازين العامل في جهاز الاستخبارات العسكرية، وعصام الحرازين العسكري في الأجهزة الأمنية.
وأمام هذه الحقائق الصادمة، يرتفع منسوب الاستهجان الشعبي جراء عدم صدور أي بيان رسمي أو مرسوم رئاسي يعلن براءة حركة فتح والسلطة الفلسطينية من هؤلاء الشرذمة، حيث يطالب الشارع بضرورة اتخاذ إجراءات فورية تشمل قطع رواتبهم بالكامل، وتجريدهم من رتبهم العسكرية.
ويطالب هؤلاء بضرورة مساءلة القيادات الوازنة التي يثبت تواصلها معهم أو توفير الحماية لهم.
ويفسر استمرار صرف الأموال الحكومية لهؤلاء القتلة وتجار المساعدات من قبل المواطنين كدعم غير مباشر وتواطؤ ضمني يساهم في إحكام حصار التجويع ضد العائلات المكلومة.
مؤشرات خطيرة
ويؤكد مختصون ومحللون سياسيون أن انضمام عناصر وضباط في السلطة الفلسطينية لميليشيات العمالة في غزة ليس مجرد صدفة عابرة أو سلوكيات فردية معزولة، بل هو مؤشر خطير على وجود خلل بنيوي عميق في آليات الرقابة والضبط والولاء داخل المؤسسة الأمنية في رام الله، التي سمحت بتغلغل عناصر ذات سجل جنائي وأخلاقي هابط داخل صفوفها.
ويحذر هؤلاء من أن حالة التراخي الواضحة وعدم وجود إجراءات ردع حقيقية تشجع هذه الميليشيات على الاستمرار في إجرامها وعربدتها، وتمنحها بيئة خصبة لجذب عناصر جديدة مستفيدة من التداخل المالي والعلاقات المشبوهة مع قيادات رسمية، مما يهدد بتدمير ما تبقى من السلم الأهلي والنسيج الوطني في قطاع غزة لصالح مشاريع الاحتلال التصفوية.
ميليشيات منبوذة
وتتزايد حدة السخط والرفض الأهلي والعشائري في قطاع غزة ضد هذه الميلشيات المسلحة، مدفوعةً برصيدها المتراكم من الانتهاكات الفظيعة التي أدرجتها هيئات حقوقية دولية ضمن تصنيف الجرائم ضد الإنسانية؛ إذ لم تعد الحاضنة الشعبية تطيق ممارساتها التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء للقيم المجتمعية.
وتكمن الخطورة المباشرة لهذه العصابات في قيامها بأدوار تكميلية لخطط الاحتلال، وتتوزع انتهاكاتها اليومية على عدة محاور ميدانية وسلوكية عبر إدارة حرب التجويع وقيادة عصابات سطو مسلح تستهدف الشاحنات الإغاثية والقوافل التجارية المارة عبر المحاور، ومن ثم احتكار البضائع وفرض أسعار خيالية لتعميق سياسة التجويع وجني أرباح مالية فاحشة.
كما تمارس هذه الميليشيات عمليات الترهيب والابتزاز المالي عبر ملاحقة العائلات النازحة والمواطنين، وتنفيذ عمليات اختطاف وتعذيب ممنهجة لابتزاز الأهالي مالياً ومقايضتهم بسلامة أبنائهم.
كما تتورط هذه الميلشيات في قضايا أخلاقية وسلوكية هابطة شملت الاعتداءات الجنسية والتحرش، إلى جانب إغراق مناطق الإيواء بالمخدرات والحشيش لإفساد السلم الأهلي، عدا عن استغلال الأطفال وتوظيف حالة الفقر الشديد والحاجة المادية للأطفال القصر، وزجهم في شبكات تجسس ميدانية قذرة لجمع المعلومات الاستخباراتية وتتبع التحركات لصالح جهاز “الشاباك”.
وتشير مجمل المعطيات والوقائع في القطاع إلى أن الإستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى تأهيل وصناعة ميليشيات محلية مأجورة لإدارة المشهد بغزة باتت تلفظ أنفاسها الأخيرة وتترنح نحو انهيار شامل، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى تنامي الوعي الجماعي للمواطنين، وتوالي الفضائح الأخلاقية والمالية المدوية التي عرت قادة هذه الميليشيات وهزت أركانها أمام الرأي العام.
طابور الاحتلال الخامس.. كيف تحولت الميليشيات العميلة إلى خنجر مسموم في خاصرة نازحي غزة؟



