مصاصو دماء المواطنين.. كيف يتربح تجار الحرب والاحتلال من معاناة غزة؟

مع اقتراب موسم عيد الأضحى المبارك، وللعام الثالث على التوالي، يواجه قطاع غزة كارثة إنسانية مركبة، فبينما يفرغ القطاع تماماً من الأضاحي والمواشي الحية جراء الحصار وإغلاق المعابر، تحركت مافيا تجار الحرب لتنفيذ فصول مؤامرة جديدة تهدف إلى تنغيص ما تبقى من فرحة في قلوب المواطنين، عبر احتكار اللحوم المثلجة الواردة إلى القطاع، ورفع أسعارها بشكل جنوني لامتصاص جيوب العائلات المنهكة بدم بارد.
ولا يجد هؤلاء التجار حرجاً في التمرد على التسعيرة الرسمية المحددة للحوم، حيث يسعون لفرض أسعار باهظة في الموسم مستغلين انعدام البدائل، ليتحولوا بذلك إلى شركاء فعليين للاحتلال في سياسة التجويع والحصار.
وكشفت معطيات وتحليلات مالية دقيقة ومستقاة من حركة المعابر عن التكلفة الفعلية للحوم المثلجة الواردة من الجانب المصري إلى قطاع غزة، مظهرة الفارق الهائل بين السعر الحقيقي وقيمة الربح الفاحش الذي يحاول تجار الدم فرضه على المستهلك الغزي.
وجاءت عملية حساب تكلفة الكيلوغرام الواحد على النحو التالي:
ثمن الكيلو الأساسي: 14 شيكلاً.
رسوم التنسيق والعبور: 10 شواكل لكل كيلوغرام.
النقل والإجراءات اللوجستية: 1 شيكل واحد.
تكلفة التخزين والثلاجات: 1 شيكل واحد.
إضافات ومصاريف طارئة أخرى: 1 شيكل واحد.
وبناءً على هذه المعطيات، فإن المجموع الكلي للتكلفة الحقيقية لا يتجاوز 27 شيكلاً للكيلوغرام الواحد.
وقبل أيام قليلة، استقر سعر البيع بالجملة للحوم (سواء الواردة عبر الجانب المصري أو الإسرائيلي) بين 30 إلى 33 شيكلاً، وهو سعر يضمن ربحاً وفيراً ومنطقياً للتاجر، إلا أن جشع احتكار المواسم دفع هؤلاء التجار للتمرد والمطالبة برفع سعر الجملة إلى 40 شيكلاً للكيلو الواحد.
أرقام صادمة
وحين نترجم هذا الفارق الاحتكاري المفتعل إلى أرقام على مستوى الشاحنات الكبيرة التي تدخل القطاع، تظهر الحقيقة المرعبة لحجم التربح من مأساة الحرب.
حيث أن الحمولة الاعتيادية للشاحنة الواحدة تصل إلى 28 طناً (أي 28,000 كيلوغرام)، وحين يفرض التاجر زيادة غير مشروعة ترفع السعر إلى 40 شيكلاً للجملة، فإن صافي ربح التاجر من شاحنة واحدة فقط يقفز إلى 364,000 شيكل، وهو ما يعادل قرابة 125,000 دولار أمريكي للشاحنة الواحدة.
إن هذه الأرباح الخيالية والفلكية، التي تُجنى في غضون أيام معدودة وعلى حساب قوت الأطفال والنازحين المحرومين من اللحوم منذ أشهر، تعكس مدى تدني المنظومة الأخلاقية لهذه الفئة التي لم تشبع بعد من تفريغ جيوب المواطنين طوال سنوات الحرب.
شركاء الاحتلال في التجويع
ويرى مختصون في الشأن الاقتصادي أن تجار الحرب يمارسون دوراً وظيفياً يتكامل تماماً مع مخططات الاحتلال، فـ”إسرائيل” التي تمنع دخول المواشي الحية وتتعمد تدمير مزارع الثروة الحيوانية في القطاع لإعدام مظاهر العيد، تجد في هؤلاء المحتكرين أدوات محلية تكمل حلقة الحصار وتعمل على مضاعفة المعاناة الإنسانية.
ولا تقتصر جرائم هذه الفئة على قطاع اللحوم، بل تمتد لتشمل احتكار البضائع الأساسية، والسطو غير المباشر على القدرة الشرائية للمواطن من خلال التلاعب بالأسواق مستغلين غياب الرقابة الميدانية الصارمة وفوضى الفلتان الأمني، مما يجعلهم طابوراً خامساً ينهش الجسد الفلسطيني من الداخل بينما تنهشه طائرات الاحتلال من الأعلى.
مطالبات شعبية بالردع
وأثارت هذه الفضائح المالية والأرقام المسرّبة لحجم أرباح تجار الحرب حالة من الغليان والغضب العارم في الشارع الغزي وعبر منصات التواصل الاجتماعي.
وطالب المواطنون والنشطاء بضرورة إعلان قوائم سوداء تضم أسماء هؤلاء التجار المحتكرين ونبذهم عائلياً وعشائرياً وشطبهم من النسيج المجتمعي.
ودعت الفعاليات الشعبية الجهات التنفيذية وأمن المقاومة إلى التدخل الفوري والضرب بيد من حديد على يد كل من تسول له نفسه التلاعب بالأسعار أو احتكار أقوات الناس في هذه الظروف الحرجة، وفرض التزام صارم بالتسعيرة العادلة، ومصادرة البضائع المحتكرة وتوزيعها بأسعار ضبطية، لقطع الطريق على مصاصي الدماء الذين يحاولون سرقة بهجة العيد وتحويل معاناة غزة إلى أرصدة بنكية بملايين الدولارات.



