هندسة الوعي.. مخطط أمريكي-إسرائيلي لاختراق التعليم في قطاع غزة

مع استمرار الحرب الشاملة التي طالت منظومة التعليم في قطاع غزة، وأحالت غالبية المدارس إلى ركام أو مراكز نزوح مأهولة بالوجع والمعاناة، يبرز في الأفق خطر أشد ضراوة يستهدف المستقبل والوعي الوطني الفلسطيني في الصميم.
ففي وقت يعيش فيه مئات الآلاف من الطلبة والأطفال حالة من الحرمان القسري من حقهم الطبيعي في التعليم، تتشكل تحت ستار “العمل الإغاثي والإنساني” تحركات استخباراتية ومشاريع خطيرة، تُدشن بتسهيلات إسرائيلية مباشرة وتواطؤ من دوائر النفوذ في إدارة ترامب، بهدف اختراق الجبهة التربوية، ومسح الذاكرة الوطنية، وإعادة تشكيل وعي الأجيال القادمة بما يخدم أجندات الاحتلال وروايته.
اختراق ناعم
وتحت مسميات براقة تتدثر بالحرص الزائف على المستقبل التعليمي لأطفال القطاع، تسعى مؤسسات أمريكية وإسرائيلية مرتبطة بأجهزة المخابرات إلى الاستثمار في المأساة الإنسانية.
وتبرز في مقدمة هذه المنظومة المشبوهة منظمات مثل IsraAID ومنظمة NATAN الإسرائيلية، اللتان تتحركان بحرية كاملة داخل القطاع بتسهيلات وأوامر من جيش الاحتلال الإسرائيلي.
ولا يتوقف الخطر عند حدود التواجد الميداني أو تقديم خيام تعليمية بديلة، بل يمتد إلى الشراكات الممتدة مع دوائر صنع القرار السياسي في واشنطن لتمرير مخطط خبيث يستغل الفراغ التعليمي الحاد والاحتياج الشعبي الملح لبناء بيئات تعليمية طارئة بديلة، تصنعها عقول استخباراتية تتغذى على الرواية الصهيونية وتعمل على تسويقها بين صفوف الأطفال والناشئة.
وتتجلى الجريمة الحقيقية التي تُحاك داخل هذه المنشآت الطارئة في تفكيك المناهج التعليمية الفلسطينية الرسمية وشطب الهوية الوطنية، إذ تشير المعطيات الميدانية والمعلومات الاستقصائية إلى أن المشرفين على هذا المشروع أقدموا على تعديل الكراسات والكتب الدراسية، بحذف كافة المواد والفقرات التي تتناول الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، أو المبادئ المرتبطة بالعقيدة الإسلامية، ونضال الشعب الفلسطيني من أجل الحرية وتقرير المصير، في محاولة مكشوفة لتغييب الذاكرة الجمعية وتدجين الأجيال الناشئة.
ولم تكتفِ هذه المنظومة الإجرامية بتحريف التاريخ وتشويه الجغرافيا الفلسطينية داخل الصفوف، بل أدخلت أدوات تحكم رقمية ومراقبة أمنية غير مسبوقة، حيث زُودت تلك البيئات الصفية بتقنيات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي لمراقبة ما يدور بين الطلبة والمعلمين من أحاديث ونقاشات يومية.
وتعمل هذه الخوارزميات كعين تجسسية ترصد أي تعبير عن الرفض للاحتلال أو أي تمسك بالثوابت الوطنية، محولة الركام والمآسي الإنسانية إلى مختبر أمني مفتوح للإسقاط والترهيب الفكري والتجسس المباشر على الكوادر التعليمية والطلبة.
وتتزايد التساؤلات الحرجة في الأوساط التربوية حول خلفيات هذا التمدد الخبيث، إذ يتساءل هؤلاء بغضب عن الجهة التي منحت هذه المؤسسات المشبوهة الحق في إعادة كتابة التاريخ الفلسطيني، وسلب الأطفال حقهم الأصيل في معرفة حقيقة ما تعرض له شعبهم من اقتلاع وتهجير واحتلال طوال عقود.
ويرى ناشطون أن هذا التغول في الشأن التربوي لا يمثل مجرد خرق إنساني، بل يمثل جريمة مركبة تهدف إلى تحويل المساعدات والحلول الطارئة إلى أداة للهندسة السياسية والاجتماعية.
وتساءل هؤلاء كيف يُسمح لمنظومات ترتبط بالاحتلال مباشرة أن تتحكم بقيم ومفاهيم الجيل الذي شُرد وقتل آلاف من زملائه ومعلميه، وأن تتولى إعادة تشكيل وعيه وتحويل الفصول الدراسية إلى منصات تجسس وتفتيش عقائدي وفكري تحت شعارات المساعدة الإنسانية.
ويقول الناشطون إن حق الأطفال الفلسطينيين في التعلم هو حق أصيل مكفول بالقوانين الدولية، ويحتم تمكينهم من التعلم بحرية، والتعرف على تاريخهم الشفاهي والمدون، والإلمام بكل محطات نضال شعبهم الأبي، دون خضوع لابتزاز الإغاثة أو وصاية المخابرات الأجنبية.
ويشير هؤلاء إلى أن قطاع غزة بحاجة ماسة إلى مدارس وطنية تعيد بناء ما دمرته آلة الحرب الصهيونية وتصون كرامة الجيل القادم، لا إلى مختبرات ناعمة تُدار بعقول استخباراتية تسعى لتصفية القضية الفلسطينية من بوابة المناهج.
بوق مأجور.. كيف يسوق المدعو أحمد فؤاد الخطيب رواية الاحتلال ويدعو للاستسلام فوق ركام غزة؟



