احتجاز جوازات سفر غزيين.. “لا علاج ولا إقامات قانونية بفضل تعسُّفات السلطة”

لا جوازات سفر ولا فرصة لتجديد الإقامة أو السفر للعلاج، انتهاكات متصاعدة تواصل سفارات السلطة من خلالها التّحول من موقع لأداء المهام الدبلوماسية والمتعلقة بفلسطيني الخارج، إلى مؤسسات لجمع المعلومات وملاحقة الفلسطينيين، ودس التهم واتخاذ خطوات “تعسفية”، الأمر الذي يضيّق الخناق عليهم حتى وصل الأمر الذي حرمان آلاف الفلسطينيين من حقهم في تجديد جوازات السفر.
ووفقًا لرصد موقع “ملاحقة الطابور الخامس”، فقد بلغت عدد حالات الشكاوى من فلسطينيين ما يقارب 5000 حالة، رفضت السلطة تجديد جوازات سفرهم واحتجزت الجواز القديم، ما وضع الفلسطينيين أمام وضع حرج ومخاوف من المساءلة القانونية في الدولة القديمة بعد انتهاء إقاماتهم وعم قدرتهم على تجديد الإقامة، أو القدرة على السفر، ومواصلة مهامهم.
وأكد عدد من المواطنين أن جهات في وزارة الخارجية برام الله ترفض تسليمهم جوازات سفرهم دون إبداء أسباب واضحة، مشيرين إلى تجاهل متكرر لاستفساراتهم واتصالاتهم، على الرغم مما يشكله ذلك من انتهاك لحقوقهم الأساسية المكفولة قانونًا.
ويعبّر المتضررون عن استيائهم من الآلية المتبعة، خاصة ما تُعرف بـ”اللجان الأمنية”، والتي يرون أنها تقف خلف تعطيل تسليم الجوازات، في ظل غياب الشفافية وتوضيح المعايير المعتمدة.
شهادات غزيين صادمة
وفي شهادة أحد المواطنين الفلسطينيين من قطاع غزة ومقيم في القاهرة، قال إنه “يتوجه يوميًا تقريبًا إلى السفارة الفلسطينية في القاهرة للسؤال عن مصير جوازات سفرنا، لكن الرد دائمًا: لا نعرف، القرار في رام الله وليس لدينا أي معلومات”.
وتابع: “لدينا مريض بحاجة إلى استكمال علاجه في أوروبا، لكنه عاجز عن السفر بسبب احتجاز جوازه، كما أن هناك طلابًا خسروا فرصًا دراسية ومنحًا خارجية نتيجة هذا الإجراء”.
“باسم عيد” ضابط في السلطة ينطق باسم الاحتلال ويُسقط الشباب في وحل العمالة.. هذه فضائحه
وقال المواطن أحمد أبو خضير (57 عاماً)، إنه اضطر إلى مغادرة غزة في شهر أبريل/ نيسان 2024 طلبًا للعلاج بعد إصابته في قدمه وهو على رأس عمله، حيث كان يعمل سائق إسعاف. وأوضح أنه في سبتمبر/ أيلول من ذات العام، تقدم إلى السفارة الفلسطينية في القاهرة بطلب لتجديد جواز سفره، لكنّه فوجئ برفض الطلب واحتجاز جواز سفره بعدها.
وأضاف: “طالبت بمقابلة أي مسؤول في السفارة لأستوضح الموقف، فأدخلوني على ما يعرف بمكتب المخابرات في السفارة، وكان عبارة عن غرفة بها شخص يعمل كمحقق وشخص آخر يعمل كحارس وتم تفتيش هاتفي قبل الدخول للغرفة للتأكد من عدم تشغيلي لمسجل الصوت”.
وتابع: “مكثت هناك نحو 45 دقيقة، وكان الشخص الذي يعمل كمحقق يعاملني على نحو سيء للغاية، وسألني عن أقربائي وأصدقائي وعملهم وعن رأيي بالحرب، وسألني لماذا عملت مع حكومة غزة وأخذت مكان شخص آخر من الحكومة الشرعية، وفي النهاية قال لي: أنتم إرهابيون انقلبتم علينا وممنوعون من جوازات السفر”.
أما الشاب محمد قنديل (30 عاماً)، فقال إنه خرج من قطاع غزة رفقة زوجته خلال الحرب، والتي أُصيبت وتحتاج لاستكمال علاجها وإجراء عمليات جراحية خارج الأراضي المصرية.
وذكر أنه في شهر مايو/ أيّار 2024، تقدّم بطلب للسفارة الفلسطينية لتجديد جواز سفره كي يتمكن من مغادرة مصر واستكمال رحلة علاج زوجته.
ولفت إلى أنه بعد نحو شهرين، نشرت السفارة أسماء المواطنين الذين وصلت جوازات سفرهم، وكان اسمه مدرجًا في الكشف، لكنه تفاجأ بوجود ملاحظة (مسحوب) بجانب اسمه.
وتابع: “لدى مراجعتي لقسم الجوازات في السفارة، تم إبلاغي بأن الجواز مسحوب من طرف اللجنة الأمنية، دون توضيح الأسباب، وحتى تاريخ اليوم لم يتم حل المشكلة”.
وأردف: “لا تستطيع زوجتي السفر بدون مرافقتي، وكل يوم يمرّ دون سفرها يضاعف من معاناتها. وبجانب ذلك، فأنا محروم أيضًا من حقي في التنقل، إذ لا أستطيع التسجيل في مكرمة الحج الخاصة بأسر الشهداء بسبب عدم امتلاكي جواز سفر ساري المفعول”، متسائلًا: “هل يُعقل أن تعطّل حياتنا دون أي مسوغ قانوني أو مبرر منطقي؟”
وأكد دبلوماسي سابق أن أزمة احتجاز جوازات السفر للمواطنين من غزة في الخارج تتفاقم بشكل مستمر، متسببة في معاناة إنسانية وأزمات قانونية، خاصة في ظل متطلبات الإقامة والتنقل في الدول المضيفة.
وأشار إلى أن عدد المتضررين تجاوز خمسة آلاف شخص، معتبرًا أن هذه الممارسة تمثل “وجهًا قاسيًا من الإيذاء”، حيث يلاحق الحصار المواطنين حتى خارج الوطن.
وأضاف أن استمرار هذا النهج يسيء إلى صورة السلطة ويقوض مشروعيتها، متسائلًا عن الجهة التي تملك حق حرمان المواطن من حقه الدستوري في امتلاك جواز سفر.
وانتقد القائمين على هذه الإجراءات، واصفًا إياهم بأنهم يفتقرون إلى فهم فلسفة العمل الوطني، ويحكمهم نهج إقصائي، مؤكدًا أن كرامة المواطن يجب أن تبقى فوق أي اعتبارات إدارية أو أمنية.
لا أساس قانوني في تعسف السفارات
وفي يناير الماضي، قال مركز غزة لحقوق الإنسان إنه تلقى شكاوى من فلسطينيين ينحدرون من قطاع غزة يقيمون في دول مختلفة بالخارج، بشأن رفض السفارات والبعثات الدبلوماسية الفلسطينية إصدار أو تجديد جوازات سفرهم، تحت ذريعة ما يسمى “المنع الأمني”، مطالبا السلطة بإجراء مراجعة لهذه الإجراءات وضمان حق المواطنين الفلسطينيين في كل مكان بالحصول على وثقائقهم الرسمية دون تعطيل.
تفاصيل حول تورط السلطة الفلسطينية في دعم الميليشيات بغزة
وعبر المركز عن بالغ القلق إزاء هذه السلوك الذي يحرم المواطنين الفلسطينيين من وثائقهم الرسمية ويقيد حقهم في السفر والتنقل والإقامة والعمل والعلاج، ويعرض بعضهم لفقدان الوضع القانوني أو خطر الترحيل، موضحا أنه وثق حالات لطلبة حرموا من استكمال إجراءات الإقامة والدراسة، ومرضى لم يتمكنوا من السفر أو تجديد إقامتهم، وأسر أصبحت بلا وثائق سارية المفعول، منبها إلى أن هؤلاء يواجهون تداعيات خطيرة على حياتهم اليومية بسبب تعليق معاملاتهم بدعوى الرفض الأمني دون إبلاغهم بأسباب واضحة أو إتاحة آليات تظلم فعالة.
وشدد مركز غزة لحقوق الإنسان على أن الامتناع التعسفي عن إصدار أو تجديد جوازات السفر تحت أي ذريعة من الذرائع سواء على أساس الانحدار الجغرافي من قطاع غزة أو على ذريعة عامة وغير مفسرة مثل الرفض أو المنع الأمني، أو الانتماء السياسي، يشكل انتهاكا فجا لعدد من الحقوق الأساسية المكفولة بموجب القانون الأساسي الفلسطيني والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي انضمت إليها دولة فلسطين.
وشدد المركز الحقوقي على أن أي تقييد لحق إصدار الوثائق الرسمية يجب أن يستند إلى أساس قانوني صريح، وأن يصدر بموجب قرار قضائي فردي مسبب، وأن يخضع لرقابة قضائية وإجراءات شفافة. كما شدد على أن استخدام مصطلح المنع الأمني بشكل عام وبدون معايير منشورة أو ضمانات للإجراءات، يندرج ضمن نطاق التعسف في استعمال السلطة، ويرقى إلى شكل من أشكال العقاب الجماعي المجرّم بموجب القانون الدولي الإنساني عندما يرتبط بالانتماء إلى منطقة جغرافية بعينها.
وهذه التفاصيل ليست على سبيل الحصر إنما الذكر، فعدة شهادات قد أوردت إلى “موقع الطابور الخامس” تؤكد تحوُّل بعض العاملين في داخل السفارات الفلسطينية إلى أدوات للتخابر والعمالة وجمع المعلومات عن فلسطينين في الخارج وطبيعة أنسطتهم ومهامهم، بل إن بعضًا منهم ذهب إلى أخطر من ذلك في إسقاط شباب في وحل العمالة والتخابر، أمثال باسم عيد الذي يعمل في سفارة السلطة في إسبانيا.



