“هندسة العجز”.. كيف يحول الاحتلال غزة إلى حيز مشلول بين وهم الوفرة وحقيقة الحرمان؟

بينما تعج أسواق قطاع غزة بمنتجات “النوتيلا” و”الجيلي” وعلب “الكوكاكولا”، تئن المستشفيات ومركبات الإسعاف وشاحنات المياه تحت وطأة حظر صارم يمنع دخول أبسط مقومات الحركة من زيوت المحركات وإطارات السيارات.
هذا التناقض الصارخ ليس محض صدفة، بل هو جزء من استراتيجية إسرائيلية لإعادة هندسة الحياة في غزة، لتحويلها من مجتمع فاعل إلى حيز جغرافي منهك وبطيء الحركة.

وفي قراءة تحليلية، حذر المدير العام لوزارة الصحة في غزة الدكتور منير البرش، من خطورة طبيعة المواد التي يسمح الاحتلال بدخولها، معتبرًا إياها تصميمًا مقصودًا للإبادة الصامتة.
ويقول البرش في تعليقه على هذه القضية: “تدخل الشاحنات محملة بالجيلي والشوكولاتة وتتدفق علب الكوكاكولا وكأنها طوق النجاة، بينما تظل زيوت المولدات ترفاً ممنوعاً”.
ويتابع “أيُّ منطقٍ هذا الذي يُدخل ما يُحلّي الفم، ويمنع ما يُبقي القلب نابضًا؟ في غزة، لم تعد الكارثة في غياب المساعدات فقط…بل في طبيعتها وتصميمها المميت”.
ويحذر مطلعون من أبعاد أمنية واستراتيجية أبعد من مجرد الغذاء فحين يُمنع الكوشوك والزيوت، فأنت تمنع سيارات الإسعاف وشاحنات المياه من العمل، وتمنع السوق من التنفس.
ويقول هؤلاء في تعليقات عدة أخدت حيزًا كبيرًا عبر مواقع التواصل في الآونة الأخيرة إن الخطر الحقيقي ليس في السلعة، بل فيما تشغله السلعة، فالهدف هو سحب القدرة على استعادة الإيقاع الطبيعي للحياة، لتبقى غزة مجتمعاً حياً لكنه يتحرك بصعوبة ويعتمد كلياً على غيره.
“تجار غزة.. مصاصو الدماء”
على الجانب الآخر، يكشف نشطاء ومطلعون على حركة المعابر عن وجه آخر للأزمة، يتعلق بالتساوق بين سياسات الاحتلال وبعض الأطراف التجارية التي تبحث عن الربح السريع على حساب حاجة المواطن الملحة.
وفي شهادات متقاطعة لنشطاء ومطلعين ميدانيين أشاروا إلى أن هناك تصاعداً مشبوهاً في إغراق الأسواق بسلع ثانوية لا تخدم الصمود، بتسهيلات واضحة من الاحتلال، في حين يتم عرقلة التجار الذين يحاولون إدخال قطع الغيار أو الزيوت بحجج أمنية واهية.
هذا الإغراق يهدف لامتصاص ما تبقى من سيولة نقدية لدى الناس في كماليات، بينما تتعطل وسائل نقلهم وتتوقف ورش التصليح، مما يزيد من عزلة المناطق عن بعضها البعض وتحولها إلى مناطق منعزلة.
ويؤكد المطلعون أن هذه السياسة تخلق إبادة وظيفية، حيث يصبح الوصول من دير البلح إلى رفح أو غزة رحلة شاقة ومكلفة بسبب تهالك الإطارات وفقدان الزيوت، مما يرفع تكلفة نقل الخضروات والاحتياجات الأساسية ويضاعف معاناة المواطن المثقل أصلاً من تبعات النزوح والحرب والدمار.
ويقول اقتصاديون إن منع “الكوشوك” والزيوت وقطع الغيار ليس مجرد تضييق مؤقت، بل هو قرار سياسي بامتياز يهدف إلى منع غزة من الوقوف مجدداً بسرعة.
ويتابع هؤلاء في تعليقات منفصلة لكنها متطابقة أت الرسالة الضمنية للاحتلال من وراء شاحنات النوتيلا هي الإبقاء على سقف حركة منخفض جداً للمجتمع، وتكريس حالة الاعتماد الدائم على المعونات بدلاً من الاستقلال الذاتي.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، تعالت أصوات نشطاء بضرورة تشكيل جبهة وعي وطنية تقف في وجه هذه السياسات الإسرائيلية.
وأكد النشطاء أن الصمت على إغراق الأسواق بـ “الكماليات” مقابل غياب “الأساسيات” لم يعد خياراً، بل هو اشتراك غير مباشر في إطالة أمد العجز والحرب الصامتة على غزة.
ودعا هؤلاء المواطنين إلى ضرورة رفع الصوت ضد التجار والمتنفذين الذين يستغلون التسهيلات الممنوحة لإدخال سلع ثانوية تحقق أرباحاً خيالية، مطالبين بتوجيه الاحتجاجات والمطالبات نحو التجار لفرض أولوية إدخال “الزيوت، الإطارات، وقطع الغيار” بدلاً من الحلويات والمشروبات الغازية.
كما طالب النشطاء بضرورة الشفافية في إدارة ما يدخل إلى غزة والكشف عن الجهات التي تختار نوعية البضائع، معتبرين أن إدخال “النوتيلا” في وقت تتوقف فيه سيارات نقل المياه والإسعاف هو جريمة وطنية تخدم أهداف الاحتلال في شل الحركة.



