صفحة “المنسق”.. منصة استخباراتية لاختراق الوعي وزعزعة الجبهة الداخلية في غزة

في الوقت الذي يخوض فيه الفلسطينيون واحدة من أعقد المراحل وأكثرها قسوة، تواصل ماكينة الاحتلال توظيف أدواتها الإعلامية والاستخباراتية لمحاولة اختراق الجبهة الداخلية في قطاع غزة.
ومن أبرز هذه الأدوات صفحة إسرائيلية تُعرف باسم “المنسق” على منصة “فيسبوك”، التي تعمل ضمن منظومة مدروسة لإدارة الحرب النفسية وتوجيه الرأي العام والتغذية على معاناة المواطنين.

ويقول الكاتب الفلسطيني خليل أحمد في مقال نشره، إن خلفيات صفحة المنسق تشير إلى أن القائم عليها ليس مجرد موظف عادي، بل ضابط مخابرات وخبير في علم النفس تم اختياره بعناية ليؤدي دورًا حساسًا في منظومة الاحتلال.
وتتمثل وظيفة هذا الضابط الأساسية في تمرير الرواية الإسرائيلية إلى الجمهور الفلسطيني، وزعزعة الثقة بالنفس والمحيط، وتقديم نفسه كـ “منقذ” و”صوت الحلول” لأزمات غزة، وجمع المعلومات وتحليلها لمعرفة المزاج العام وأنماط التفكير والاحتياجات الاجتماعية.
ويعمل المنسق ضمن فريق كامل، حيث يمتلك جيشًا من الموظفين يدرسون كل تعليق وكل منشور، ويفحصون شخصيات المتفاعلين لتحديد الفئات الهشة التي يمكن استهدافها لاحقًا بعمليات الإسقاط والابتزاز.

ويقول الكاتب خليل أحمد مستهجنًا من التفاعل على صفحة “المنسق”: “إن الغريب أن الصفحة تضم أكثر من 9 آلاف متابع وما يقارب ألف تعليق من داخل غزة، بينهم من يكتب للمنسق بلهجة استجداء وترجٍ رغم أن وظيفته مكشوفة للجميع”.
ويحذر الكاتب من أن هذه التفاعلات تشكل مادة استخباراتية ثمينة، تُستخدم في عمليات تحليل نفسي واجتماعي للناس، فهم البيئة الداخلية، واستغلال الثغرات الأسرية والاجتماعية، والإيقاع بالأشخاص واستهداف الضعفاء.
ويلفت أحمد إلى أن نسبة 0.1% من الاستدراج أو الإسقاط تعتبر إنجازًا كبيرًا بالنسبة للمنسق وطاقمه.
ويستخدم المنسق أدوات نفسية دقيقة، منها إظهار نفسه كصوت “العقلانية” و”المنقذ”، ولوم فصائل المقاومة على الواقع القاسي، والادعاء بأنه يحاول “مساعدة أهل غزة”، ودفع بعض الأشخاص للتعليق بكراهية أو تشويه بحق جهات فلسطينية بهدف تعزيز الانقسام الداخلي.
هذه الممارسات، وفق الكاتب، ليست تواصلًا مدنيًا بل جزء من حرب نفسية ممنهجة تهدف إلى كسر صمود الناس وإضعاف ثقتهم ببعضهم.
“المنسق” مشارك رئيسي في الحصار والتجويع
ويؤكد الكاتب خليل أحمد أن المنسق ليس صديقًا ولا وسيطًا، بل ذراع أساسي في الحصار والتجويع والقتل والتدمير، وأن كل ما يعانيه أهل غزة من فقر ونزوح وجوع ودمار يرتبط بشكل مباشر بالاحتلال الذي يمثله.
ويقول “إن دخولك لصفحة المنسق هو خيانة لدماء الشهداء، وخيانة لأخيك وصاحبك وابن حارتك”.

ويضيف الكاتب “تجاهل الصفحة ووقف التفاعل معها سيؤدي إلى فشلها وإسقاط مهمتها، داعيًا لمقاطعة صفحة المنسق بشكل كامل، ومنع تداولها أو مشاركتها أو التفاعل معها، وتوعية الآخرين بخطورتها.
ويشدد الكاتب خليل أحمد على أن مواجهة المنسق وأمثاله تكون بالوعي، “فالاحتلال الذي يمارس القتل والتدمير على الأرض يشن في الوقت ذاته معركة شرسة للسيطرة على العقل والوعي عبر الشبكات الرقمية”.
ويرى مختصون في الإعلام الرقمي أن صفحة “المنسق” تمثل نموذجًا واضحًا للاستراتيجية الإسرائيلية في استهداف الجبهة الداخلية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تستخدم الحسابات المزيفة والمحتوى الموجه لإرباك المواطنين وزرع الشكوك بين أفراد المجتمع.
ويؤكد هؤلاء أن أسلوب الصفحة يعتمد على استغلال ضعف النفوس والفضول الاجتماعي، وتحويل التفاعلات العادية إلى أدوات جمع معلومات واستخباراتية لصالح الاحتلال.
ويضيف المختصون أن الخطر الأكبر يكمن في قدرة إدارة الصفحة على تحليل البيانات المتاحة عن المتابعين وفهم ميولهم النفسية والاجتماعية، ما يسمح بتوجيه رسائل مضللة وإغراء بعض الأفراد للانخراط في سلوكيات تخدم أهداف الاحتلال.
ويؤكد هؤلاء أن توعية المجتمع ومقاطعة الصفحة تعد الوسيلة الأنجع لمنع أي اختراق محتمل، مشددين على أن أي تعامل أو تفاعل معها يسهم بشكل مباشر في تعزيز قدراتها على استغلال المواطنين.
تيسير عابد.. بوق الاحتلال والتحريض على المقاومة في غزة



