مراسلات سرية تُنشر لأول مرة.. تحقيق عبري يكشف علاقة “منصة جسور” بالمخابرات الإسرائيلية والمجاعة بغزة !

كشف تحقيق عبريّ عن ملفات ومراسلات سرية مسربة تنشر لأول مرة، تثبت أن منصة “جسور” المدعومة إمارتيًا لها صلات بالمخابرات الإسرائيلية إلى جانب تبنيها أجندة مؤيدة لإسرائيل متجذرة بعمق.
وبين تحقيق الذي أعده الصحفيان يوسي بارتال وأمين المغربي، لمجلة (+972) العبريّة، أنه وفي مايو/ آيار 2024 أي بذروة المجاعة التي فرضها جيش الاحتلال عبر إغلاق طرق وصول المساعدات جنوب القطاع، والذي تسبب ببدايتها في معاناة 30% من الرضع الأطفال من سوء التغذية الحاد، تواصل محرر كبير في موقع “جسور نيوز” مع ناشط من غزة طالبًا منه لقطات فيديو من أسواق غزة تظهر “الفواكه والخضروات وغيرها من الأطعمة”.
كما طلب المحرر التابع للمنصة، وفق رسائل اطلعت عليها مجلة (+972)، مقاطع فيديو لأشخاص “يطبخون” و”يأكلون” و”يملؤون دلاء الماء” و”أطفال يلعبون بالماء”.
وفي مفارقة، لفت التحقيق، إلى أنه ومع تزايد القلق الدولي إزاء الوضع الإنساني، بدا أن جسور تسعى للحصول على لقطات تظهر عكس ذلك تمامًا، والتي يمكن توظيفها لاحقًا للتشكيك في انتشار المجاعة في غزة.
جسور.. بين ادعاء الحياد والأنسنة إلى شباك الموساد
في حين تُعرّف “جسور” نفسها على موقعها الإلكتروني بأنها “منصة إعلامية مستقلة” و”غير تابعة لأي جهة سياسية”، لكنّ مضامين الموقع تظهر أنه ليس كما يبدو.
وبحسب التحقيق، فإن المنصة التي تقدم نفسها بوصفها “وسيلة إعلام مستقلة” تخفي – وفق الوثائق المسربة – ارتباطات بمركز أمريكي يدعى Center for Peace Communications (CPC)، والذي تربطه علاقات تعاون مع مؤسسات أمنية وبحثية إسرائيلية، أبرزها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS).
كما يُشير تحليل المنظمة والشخصية التي تقف وراء الموقع إلى دور جسور ضمن عملية سرية واسعة النطاق وطويلة الأمد، تهدف إلى توجيه الرأي العام في العالم العربي لصالح إسرائيل وحلفائها.
صوت من؟ لغز التمدد واختراق الحظر الإسرائيلي
بالعودة إلى الوراء، انطلقت قناة جسور في مارس 2024، لتغطي أخبار العالم العربي، شملت تغطيتها الأولى مواضيع متنوعة، من دورات الدفاع عن النفس للنساء في مصر ، إلى تجنيد الحوثيين للأطفال في اليمن، وصولاً إلى معاناة اللاجئين السوريين في لبنان.
وكان أحد أهم أسباب انتشار موقع جسور الإعلامي في بداياته هو تغطيته للأحداث في سوريا خلال وبعد سقوط نظام بشار الأسد.
إلا أن جزءًا كبيرًا من صعود جسور في الظهور جاء قرب نهاية عام 2025 عندما بدأت في تقديم تقارير منتظمة من داخل مناطق تخضع لسيطرة جيش الاحتلال ومليشياته شرقي قطاع غزة.
ولفت التحقيق الإسرائيلي، أنه من المثير للدهشة أن يُسمح لشبكة عربية بالعمل بحرية في منطقة تخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي الكاملة، ومحظورة على وسائل الإعلام الفلسطينية والدولية، بل وحتى معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية.
ما علاقة جسور بصناديق البريد الإلكتروني لسياسيين إسرائيليين؟
وفي خفايا جديدة، أشارت مجلة (972+) إلى عمليات الاختراق التي قام بها قراصنة يُفترض ارتباطهم بالمخابرات الإيرانية بتسريب ملايين الملفات والمراسلات علنًا من صناديق البريد الإلكتروني للسياسيين الإسرائيليين والوزارات والمؤسسات والمنظمات البارزة الأخرى.
إحدى عمليات الاختراق الأخيرة هذه، استهدفت مركز الأبحاث الأمنية الأبرز في إسرائيل، وهو معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، الذي يتعاون بشكل وثيق مع مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي – الذي يضم الموساد، والشين بيت، ومديرية الاستخبارات العسكرية -.
من بين آلاف الملفات والرسائل المسربة من هذا البرنامج وتخص معهد الأمن القومي، ظهرت أدلة تشير إلى الجهة التي تقف وراء “جسور” وما هي مهمتها الحقيقية.
اجتماع سري في قبرص.. لصناعة البروباغندا عبر “جسور”
في سبتمبر 2025، عُقد اجتماع سري في قبرص ضم عدد من معهد الدراسات الأمنية الوطنية وعدداً من الصحفيين والباحثين والشخصيات المؤثرة من إسرائيل والأردن. كما حضر الاجتماع نائب السفير الإسرائيلي لدى الأردن.
ويشير الملخص، وفقًا لنص التحقيق، إلى أن غالبية المشاركين بالاجتماع السري الأردنيين “يشاركون، علنًا أو سرًا، في أنشطة جسور.
وأضاف، أن المجموعة وافقت على تشكيل فرق للمشاريع المستقبلية، وتحديدًا لدعم “مقاطع الفيديو التي ستنتجها لجنة الإعلام والصحافة وتعرض على قناة جسور” والتي من شأنها “دحض نظريات المؤامرة المعادية لإسرائيل” أو استضافة متحدثين إسرائيليين “يعربون عن تقديرهم للعائلة المالكة الأردنية”.
في ذلك الوقت تقريبًا، بدأت جسور بنشر مقاطع فيديو تُظهر ميليشيات موالية لإسرائيل داخل المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في قطاع غزة. وبعد ذلك بوقت قصير، نشر الصحفيون الإسرائيليون الذين شاركوا في اجتماع قبرص تقارير على قنواتهم الإخبارية يشيدون فيها بعمل جسور.
جوزيف براود..اليد الخفية والعقل المدبر لـ “جسور” !
في أكتوبر 2024، دُعي أعضاء فريق البرنامج عبر بريد إلكتروني إلى اجتماع عبر تطبيق زووم مع جوزيف براود، عرّف البريد الإلكتروني براود بأنه مؤسس مركز اتصالات السلام (CPC)، الذي يهدف عمله، كما جاء فيه، إلى “مكافحة الخطابات المتطرفة في الشرق الأوسط”.
بحسب وثائق الضرائب الأمريكية، فإنّ منظمة “سي بي سي” منظمة صغيرة نسبياً مقرها في لونغ آيلاند، نيويورك، بميزانية سنوية رسمية تبلغ حوالي 1.5 مليون دولار. جميع المتبرعين المعلنين لها يدعمون مبادرات يهودية ومؤيدة لإسرائيل.
تأسست هذه المنظمة عام 2019، ويقودها براود، وهو باحث وكاتب متخصص في شؤون الشرق الأوسط من أصل عراقي يهودي، يصف نفسه بأنه “عمل في مجال تعزيز العلاقات بين إسرائيل والعالم العربي لمدة 30 عامًا”.
كان براود يخطط للعمل في البنتاغون قبل إدانته عام 2004 بتهمة سرقة آثار عراقية.
عمل لاحقًا في مراكز أبحاث مثل معهد أبحاث السياسة الخارجية المحافظ الجديد ومركز المسبار للدراسات والأبحاث الإماراتي، وتعاون بشكل وثيق مع معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (WINEP) التابع للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC ).
هديل عويس الواجهة الإعلامية لـ “سي بي سي”
تعمل هديل عويس، رئيسة تحرير مجلة جسور، مباشرة لدى مركز الإعلامي المسيحي في الشرق الأوسط، الذي يصفها على موقعه الإلكتروني بأنها “تقود الاتصالات العربية نيابة عن المركز”، وهي في الأصل من سوريا وتقيم الآن في الولايات المتحدة.
مع بداية الانتفاضة السورية عام 2011؛ حينها كانت طالبة تبلغ من العمر 19 عامًا، ظهرت في وسائل الإعلام العربية والدولية منتقدة نظام الأسد، وفي عام 2012، دعتها منظمة “يو إن ووتش” المؤيدة لإسرائيل، ومقرها جنيف، إلى مؤتمر شاركت في تنظيمه، بالإضافة إلى اجتماع لمجلس حقوق الإنسان.
ومن هناك، وفقًا لسيرة عويس المنشورة، التقت بوفد أمريكي ساعدها في الانتقال إلى الولايات المتحدة.
رفضت عويس في مقابلة حديثة مع صحيفة “هآرتس”، الإجابة عن سؤال حول مصادر تمويل جسور، كما ورفضت الانتقادات الموجهة لمبادرتها الإعلامية غير التقليدية، معتبرةً أنها صادرة عن مواقع إخبارية تابعة لحماس.
ويلفت تحقيق (972+) إلى أن رفض جسور الكشف عن مصادر تمويلها وإصرارها على الظهور كمنصة إعلامية مستقلة ملتزمة بحرية الصحافة يتناقض مع نهج مؤسسها الذي يدعو علانية لتشويه سمعة القنوات المنتقدة لإسرائيل، عبر اختراق إداراتها وبناء ملفات سوداء لتفكيكها وتصفية موظفيها إعلاميًا.



