بنك فلسطين.. توسع خارجي على حساب معاناة غزة وتضييق داخلي يفاقم معاناة المواطنين

في الوقت الذي يترقب فيه سكان قطاع غزة المنهك من ويلات الحرب مبادرات لتسهيل حياتهم المعيشية، فجر بنك فلسطين موجة من الغضب الشعبي عقب إعلان نيته افتتاح فرع جديد له في دولة الإمارات العربية المتحدة.
هذا الإعلان قوبل بردود فعل قاسية من ناشطين ومواطنين تساءلوا بمرارة: “كيف يبحث البنك عن التمدد في ناطحات سحاب دبي، بينما يعجز عن فتح فروعه المغلقة بشكل يليق بكرامة الغزيين الذين يواجهون الإذلال اليومي على أبوابه؟”.
وتعود جذور الأزمة إلى فترة الحرب، حيث أقدم البنك الذي يحمل اسم فلسطين على إغلاق كافة فروعه في القطاع، تاركاً فراغاً مالياً هائلاً ساهم في فقدان السيولة النقدية وغياب “الفكة” من الأسواق، مما شلّ الحركة التجارية وضاعف معاناة المواطنين.
وحتى بعد انتهاء الحرب، بقيت الخدمة في حدها الأدنى، إذ يواجه المراجعون إجراءات تعجيزية وتقليصاً حاداً في عدد العاملين، مما جعل دخول البنك مهمة شبه مستحيلة تتطلب ساعات من الانتظار المذل تحت أشعة الشمس.
وفي ازمة جديدة كشف مصدر إداري حكومي في غزة عن انتهاك إداري جديد يتمثل في رفض إدارة بنك فلسطين التعامل مع بطاقات الهوية الصادرة عن الشق المدني بوزارة الداخلية في غزة، رغم صدورها وفق الآليات الرسمية المعتمدة.
واللافت في الأمر أن وزارة الداخلية في رام الله اعترفت بهذه البطاقات، وأوعزت لسلطة النقد باعتمادها في المعاملات المالية، إلا أن مجلس إدارة البنك واصل رفض الالتزام بهذه القرارات، ضارباً بعرض الحائط التعليمات الرسمية وحاجة المواطن الماسة للتسهيلات في المعاملات المالية.
حصار مالي وتماهٍ مع أجندات مشبوهة
ولا تتوقف الاتهامات عند سوء الإدارة، بل تمتد لتطال السياسة التمييزية لبنك فلسطين، حيث يتهم ناشطون وحقوقيون المؤسسة بالتماهي مع سياسات الاحتلال عبر فرض حصار مالي داخلي على قطاع غزة.
وتتمثل هذه السياسة في تجميد حسابات ذوي الشهداء والأسرى، ومنع فتح حسابات جديدة لفئات واسعة من المواطنين، ووضع شروط تعجيزية لصرف الرواتب، مما يطرح تساؤلات كبرى حول الدور الوظيفي للبنك في مجاراة الاحتلال لتعقيد الواقع المعيشي في القطاع.
وضجت منصات التواصل الاجتماعي بوسوم ينتقد سياسات بنك فلسطين، حيث اعتبر الناشطون أن بنك فلسطين تحول من مؤسسة وطنية يُفترض أن تسند صمود الناس، إلى جهة استثمارية تبحث عن الأرباح في الخارج بينما تمارس التنكيل المالي بحق المواطنين المنهكين من تبعات الحرب.
وكتب أحد الناشطين: “البنك الذي يهرب من مسؤولياته في غزة وقت الأزمات، لا يحق له التفاخر بالانتشار العالمي بأموال المودعين الذين يُحرمون من أبسط حقوقهم المالية بكرامة”.
وقال حساب باسم أبو إياد تعليقًا على سياسة بنك فلسطين: “المفارقة أن البنك ينوي افتتاح فروعًا في الإمارات، بينما يذل المواطن في غزة بطوابير ليس لسحب راتبه بل لمعرفة معاملاته دون أدنى كرامة بشرية”.
وقالت سارة أحمد: “البنك الذي يرفض هوية الغزيين ويجمد حسابات ذوي الشهداء يمارس حصاراً مالياً، إن افتتاح فرع خارجي للبنك في هذه الفترة هو هروب من المسؤولية الوطنية وتخلٍ عن غزة في عز احتياجها”.
أما محمد الغرة فقال: “فروعكم في غزة تحولت لساحات إذلال بسبب نقص الموظفين وعدم إدخال السيولة افتحوا فروعكم زي الخلق أولًا وفكوا الحظر عن أموال الغلابة قبل أن تتبجحوا بالعالمية”.
ويرى مراقبون أن بنك فلسطين وسلطة النقد يساهمان بشكل مباشر في افتعال الأزمات المالية في غزة عبر منع تدفق السيولة واختلاق المعيقات الإجرائية.
ويقول هؤلاء إن هذا النهج الذي يجمع بين الإذلال والحظر المالي يعمق أزمة الثقة بين المواطن والجهاز المصرفي، ويؤكد أن البنك بات يغلب المنطق التجاري البحت والمرتبط بالخارج على الواجب الوطني والأخلاقي تجاه الحاضنة الشعبية التي كانت أساس نجاحه وتمدده.
“فشل ذريع”
ويرى المختص في الشأن الاقتصادي، أحمد أبو قمر، أن سعي بنك فلسطين للتوسع إقليمياً في هذه التوقيت يمثل مفارقة صارخة، إذ يحاول البنك تلميع صورته الخارجية بينما يتناسى فشله الذريع في إدارة أزمة السيولة داخل قطاع غزة، الذي يرزح تحت وطأة أشد انكماش اقتصادي في تاريخه.
ويؤكد أبو قمر في تعليقه على سياسات بنك فلسطين الأخيرة، أن هذا التوجه يثير تساؤلات مشروعة حول الأولويات، ففي الوقت الذي ينتظر فيه الشارع سياسات مصرفية مرنة تخفف من حدة الانهيار، نجد البنك يمعن في التضييق عبر إغلاق الحسابات وتشديد قيود السحب.
ويوضح أن الدور المفترض للقطاع المصرفي، وبنك فلسطين تحديداً، هو العمل كـ “صمام أمان” لمواجهة تداعيات الحرب، إلا أنه تحول إلى عامل ضغط إضافي على المواطن المنهك.
ويشير أبو قمر إلى أن إدارة أزمة السيولة في ظل حرب الإبادة تتطلب شراكة حقيقية وقدرة على تحمل جزء من المخاطر الاجتماعية، وهو ما غاب عن سياسة البنك التي افتقرت للكفاءة في إدارة الأزمات والمسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع.
ويلفت إلى أن نجاح أي مؤسسة مالية لا يُقاس بعدد فروعها الخارجية، بل بمدى قدرتها على إسناد مجتمعها في أحلك الظروف.
ويضيف المختص الاقتصادي، أن التوسع الإقليمي في ظل الشلل الاقتصادي الداخلي يعكس خللاً في الرؤية التنموية، مما يستوجب إعادة تقييم شاملة لسياسات البنوك لضمان تحولها إلى جزء من منظومة التعافي بدلاً من أن تظل عبئاً يفاقم أوجاع المواطنين.



