المولدات التجارية وظلام غزَّة… صفقات جشع التجار وبديل قسري يستنزف الغزيين

في وقت تغرق غزة في ظلام دامس بعد تدمير الاحتلال البنية التحتية للكهرباء وخطوط التوزيع في القطاع، لم تعد أزمة انقطاع الكهرباء إلى معاناة إنسانية فقط، بل تحولت إلى سوق رابحة للتجار الذين وجدوا في حاجة الناس الملحّة للكهرباء فرصة “ذهبية” للإثراء وجني الأرباح والأموال من عروق جبين أهالي القطاع المكلومين.
ورغم انخفاض أسعار الوقود أحياناً، يستمر أصحاب المولدات في رفع الأسعار، مع احتكار الخدمة، وتقديمها بمستوى سيء، يبدأ الاستغلال منذ تقديم طلب الاشتراك، حيث يشترط بعض أصحاب المولدات دفع 500 شيقل بما يعادل 180 دولار كرسوم اشتراك، منها 300 شيقل مقابل “الأومنة” و200 شيقل بدل اشتراك، إضافة لتكاليف تركيب ساعة العداد، مما يرهق جيوب الغزيين ويزيد من معاناتهم اليومية.
ويعيش أكثر من 80 في المئة من سكان قطاع غزة تحت خط الفقر أو يعتمدون على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتهم الأساسية، وفي ظل هذه الظروف الصعبة يصبح دفع مئات الشواكل شهرياً مقابل خط من الكهرباء يضيء ظلامهم ويعينهم على حياتهم اليومية، أمراً شبه مستحيل بالنسبة لكثير من الأسر التي فقدت مصادر دخلها بشكل كامل بعد الحرب.
منظومة منهارة.. أرقام صادمة !
بلغة الأرقام، خسر قطاع توزيع الكهرباء، وفق بيانات رسمية، منذ بدء الحرب نحو 2.1 مليار كيلوواط/ساعة من الكهرباء نتيجة التوقف الكامل لمصادر التغذية، فيما تجاوزت الخسائر الأولية في قطاع الكهرباء 728 مليون دولار، بعد تدمير أكثر من 70% من شبكات الكهرباء، و80% من الآليات والمركبات، و90% من المخازن، إضافة إلى تضرر واسع في المباني والمقرات.
هذه الأرقام لا تعكس فقط خسائر مادية، بل تكشف شللاً شبه كامل للمنظومة الرسمية للطاقة، ما جعل أي حديث عن عودة قريبة للتيار الكهربائي عبر القنوات التقليدية أمراً مستحيلاً.
جشع التجار يحوّل حياة الغزيين إلى “جحيم”
يتهم سكان القطاع المحاصر التجار وأصحاب المولدات باستغلال أزمة الكهرباء لتحقيق أرباح كبيرة ونهب أموال الناس، خصوصاً مع غياب الرقابة الفعلية على الأسعار في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع.
وتبدأ مراحل الاستغلال، بفرض أصحاب المولدات أسعاراً مرتفعة تتجاوز التكلفة الفعلية للوقود والصيانة، مستفيدين من حاجة السكان الملحة للكهرباء، خاصة الطلاب والمرضى الذين يعتمدون بشكل أساسي على الكهرباء في تدبير شؤونهم اليومية.
كما ويضع أصحاب المولدات حدًا أدنى للاستهلاك، ففي حين تستهلك عائلته نحو 12 شيقل أسبوعياً، يُفرض دفع 30 شيقل، إضافة لاستخدام بعض المولدات زيت الطهي بدل الوقود، ما يجعل سعر الكيلوواط المفروض أعلى من التكلفة الحقيقية للإنتاج.
هذا إلى جانب أن الكهرباء قد تفصل نحو عشر مرات يومياً، والفاتورة تأتي كاملة دون خصم فترة الانقطاع، رغم انخفاض أسعار الوقود مؤخرًا، إلى جانب الأعطال المتكررة وتلف الخطوط، وعدم اعتراف أصحاب المولدات بحقوق المشتركين.
وتختلف أسعار الكيلوواط بين منطقة وأخرى، وتتراوح بين 20 و35 شيقلاً، فيما يسيطر كل صاحب مولد على منطقة جغرافية دون منافسة. ولا توجد جهة ناظمة تحدد سقف الحد الأدنى والرسوم الأسبوعية، مما يفاقم الاحتكار ويضر المستهلكين.
ومع اقتراب عيد الفطر، حيثتزداد الحاجة إلى الإضاءة القوية، وتشغيل الثلاجات، وأجهزة التبريد، وتمديد ساعات العمل ليلًا، تتضاعف الفاتورة وتتسع الفجوة بين ما يتمناه التاجر من انتعاش موسمي، وما يفرضه واقع العتمة من أعباء إضافية.
وهكذا يتحول الموسم الذي كان يُعوَّل عليه لتعويض الخسائر إلى محطة جديدة لاستنزاف ما تبقى من قدرة المواطن على الاحتمال.
“اقتصاد المولدات” يستنزف محاولات البقاء
ويرى مختصون أن أزمة الكهرباء في غزة لم تعد أزمة خدمية مرتبطة بانقطاع التيار فحسب، بل تحولت إلى انعكاس مباشر للانهيار الاقتصادي الشامل الذي يعيشه القطاع، وأصبح اقتصاد المولدات نشأ كاستجابة اضطرارية لفراغ الطاقة، لكنه سرعان ما تطور إلى عبء مالي ثقيل على المواطنين.
وعلى الرغم من أن “اقتصاد المولدات” – كما يعرفه المختصون – أنقذ الناس من الظلام، لكنه في المقابل يستنزف قدرتهم على البقاء. ما يدفعه المواطن اليوم مقابل الحد الأدنى من الكهرباء لا يتناسب مع مستوى الدخل شبه المعدوم، ولا مع التكلفة الفعلية للإنتاج، خاصة في ظل توفر وقود محلي بديل.
ترك هذا القطاع بلا تنظيم حقيقي يعني تكريس تشوه اقتصادي جديد يقوم على استغلال الحاجة، بدل أن يكون حلاً مؤقتاً لحالة طوارئ.
وأكد اقتصاديون أن الحل لا يمكن أن يبقى محصوراً في بدائل مكلفة، بل يجب أن يتجه نحو إعادة تشغيل المنظومة الرسمية للطاقة تدريجياً، وضبط الأسعار، وكسر أي احتكار، لأن الكهرباء ليست سلعة ترفيهية، بل خدمة أساسية تمس صمود الناس وكرامتهم
في ضوء ذلك، يوضح محمد ثابت، مدير العلاقات العامة والإعلام في شركة توزيع كهرباء غزة، أن الشركة لا تملك مولدات مماثلة لتلك التي يشغلها القطاع الخاص، لكنها قدمت ضمن خطط التعافي المبكر مقترحات لتوفير مولدات متنقلة لإنارة مراكز الإيواء وتشغيل آبار المياه.
وويقول إن تنظيم قطاع المولدات وتسعير خدماته يقع ضمن صلاحيات سلطة الطاقة الفلسطينية، مؤكداً أن الكهرباء حق أساسي من حقوق الإنسان، لأن “وجود الكهرباء يعني وجود المياه والصحة والتعليم والخدمات… وبدونها يتوقف كل شيء”.
طالع المزيد:علي شريم.. بوق “أفيخاي” يحرض على مشافي غزة بـ “أكاذيب” جديدة !
حزمة إجراءات تنقذ ما تبقى !
وأقرت سلطة الطاقة والموارد الطبيعية في غزة، حزمة إجراءات جديدة تهدف إلى تنظيم عمل المولدات التجارية وتحسين مستوى الخدمة المقدمة للمشتركين، وذلك استجابةً لمناشدات المواطنين بضرورة ضبط الأسعار والحد من التجاوزات.
وأوضحت سلطة الطاقة هذه الإجراءات دخلت حيّز التنفيذ اعتبارًا من الأول من مارس/آذار 2026، وتشمل منع تحصيل ما يُعرف بـ”مبلغ الأمانة” من المشتركين، باستثناء حالات الاشتراكات غير المستقرة، مع التأكيد على ضرورة إعادة جميع المبالغ التي جرى تحصيلها سابقًا تحت هذا البند.
وبيّنت أن الحد الأدنى للدفع من قبل المشتركين جرى تحديده بحيث لا يتجاوز ثمن كيلوواط/ساعة واحدة أسبوعيًا، إضافة إلى تحديد رسوم تركيب أو تشغيل الاشتراك الجديد بما لا يزيد عن 50 شيكلًا ولمرة واحدة فقط.
وأشارت سلطة الطاقة إلى أنها تدرس حاليًا تحديد السعر العادل لثمن الكيلوواط/ساعة، بما يراعي الظروف الراهنة وتكاليف التشغيل، مؤكدة أن جميع المولدات التجارية ستكون مُلزمة بالسعر الذي ستقرّه السلطة فور اعتماده رسميًا.
ودعت أصحاب المولدات التجارية إلى الالتزام بالإجراءات الجديدة، والعمل على تحسين مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين، إلى جانب استيفاء متطلبات الترخيص وفق أنظمة الأمن والسلامة المعتمدة.
كما أكدت سلطة الطاقة إمكانية تقديم المواطنين شكاوى تتعلق بمقدمي خدمة المولدات عبر وحدة تنظيم الكهرباء التابعة للسلطة من خلال الرابط الإلكتروني المخصص لذلك.
إضغط هنا https://complaints.eapp.gov.ps



