الوجه الأكثر قذارة منذ 7 أكتوبر.. كيف تحولت ميليشيات العملاء إلى أدوات رخيصة في يد الاحتلال؟

منذ السابع من أكتوبر، لم يكتفِ الاحتلال الإسرائيلي بإعمال آلة القتل العسكرية وتدمير البنى التحتية في قطاع غزة، بل سعى عبر جهاز استخباراته “الشاباك” إلى خرق الجبهة الداخلية من الداخل، من خلال تشكيل وتأهيل ميليشيات مأجورة تضم أرباب السوابق والمنحرفين الجنائيين والمطرودين عشائرياً.
ورغم الميزانيات والتسهيلات الأمنية والتغطية النارية التي وفرها جيش الاحتلال لهذه العصابات خلف ما يُعرف بـ “الخط الأصفر”، إلا أنها أثبتت أنها أقذر أدوات العدوان وأشدها قرفاً، قبل أن تمنى بفشل مدوٍّ وتتحول إلى كتل شاذة تلفظها العشائر وتلاحقها العدالة الوطنية.
واعتمدت المخابرات الإسرائيلية في بناء هذه الميليشيات الموازية على استراتيجية خبيثة تقوم على التقاط أرباب السوابق الجنائية والمنحرفين أخلاقياً، وإغراقهم في السموم والمخدرات وتوفير السلاح لهم، لتحويلهم من مجرد مجرمين جنائيين إلى أدوات وظيفية ينفذون أجندات الاحتلال تحت ستار تقديم المساعدات أو تأمين الأحياء.
وقد تجلت هذه العقيدة في نماذج قيادية شاذة، بدءاً من العميل الهالك ياسر أبو شباب المتورط في جرائم قتل وحوادث تعذيب وسرقة للمساعدات، وصولاً إلى العميل أشرف المنسي وغسان الدهيني وحسام الأسطل وشوقي أبو نصيرة الذين أدينوا كلهم بقضايا شائنة وجرائم أخلاقية وسلوكيات مخزية داخل السجون قبل أن يُعاد تسليحهم ودفعهما لارتكاب جرائم شرقي غزة.
وتجاوزت هذه الميليشيات كافة الخطوط الحمراء المنظمة للقيم والأعراف الوطنية، حيث قادت عصابات للسطو المسلح على شاحنات المساعدات الغذائية والبضائع التجارية لاحتكارها ورفع أسعارها، متممة بذلك سياسة التجويع الممنهجة التي يفرضها الاحتلال على أهالي القطاع، إلى جانب تورطها في ملاحقة النازحين والعائدين لمناطقهم، وتنفيذ عمليات خطف وتجسس وتجنيد قسري للأطفال.
وعلى الصعيد الأخلاقي والداخلي، تفجرت داخل هذه البؤر فضائح مروعة، ففي رفح، سجل العميل غسان الدهيني “رغلة” سقطة جديدة عبر الخوض في أعراض الحرائر والتطاول بألفاظ نابية على زوجة شهيد، فضلاً عن إطلاقه تهديدات علنية ومبتذلة لمصر لمنع انقطاع حماية مشغليه.
وعلى المستوى الميداني، تحولت مقراتهم إلى بؤر سادية تأكل أفرادها، حيث وثق مقطع فيديو تسريبي العميل شوقي أبو نصيرة “عوعو” وهو يعذب عناصره بخلع طواحينهم بكماشة والتباهي بهذه المشاهد أمام ضابط الشاباك المسؤول عنه “الكابتن أبو عمر”.
ورداً على هذا السجل المظلم، مرت المراهنة الإسرائيلية بضرب الجبهة الداخلية بفشل ذريع، إذ أجمعت العشائر الوطنية والقوى الأهلية على رفع الغطاء التامي والعشائري عن كل المتورطين، وتصاعدت حركة فرار جماعي وانشقاقات متتالية لعشرات العناصر المغرر بهم فيما عُرف بـ “التوبة الكبيرة”.
ورغم المحاولات الدموية لمنع الهرب سواء بـ “طخ” العميل محمد أبو شعر “جميلة” واعتقاله على يد المجرم أشرف المنسي، أو عبر قيام طائرات الشاباك باغتيال الفارين والتائبين كما حدث مع الشهيد رائد أبو شحمة أثناء عودته لحضن وطنه، فإن هذه الإجراءات القمعية أثبتت للعناصر أن الخيانة مسار مقفول نهايته السقوط أو التصفية بنيران الاحتلال نفسه.
وأكّد ناشطون ومختصون بمتابعة ملفات الخيانة أن الحصيلة الميدانية والأخلاقية لجرائم الميليشيات منذ بدء العدوان لم تُفرز سوى حالة صلبة من الوعي الجمعي والتماسك الشعبي، إذ بات الشارع الفلسطيني أكثر يقيناً بعقم المراهنة على أدوات الشاباك الهشة، والتي أصبحت تعيش أيامها الأخيرة بعد أن استنزفت دورها الوظيفي وأحرقت كافة أوراقها الاجتماعية والأمنية.
وتتجه هذه الميليشيات المأجورة اليوم نحو نهايتها الحتمية في ظل اشتداد الحصار الشعبي والعشائري المضروب حولها، حيث تحولت من ورقة راهن عليها الاحتلال لشق الصف الداخلي إلى عبء أمني وأخلاقي يلاحق مشغليه.
وتبقى هذه التجربة الفاشلة شاهدةً على عجز الاحتلال عن اختراع أطراف هشة تُغني عن المواجهة المباشرة أو تُعوّض السقوط الأخلاقي لأدواته المأجورة، إذ تحولت هذه العصابات من أوراق رهان استخباري إلى مكشوفات أمنية تُربك حركة مشغليها وتقلص مساحات مناورتهم خلف “الخط الأصفر”.
وتُؤكد المعطيات أن المسار العملياتي للاحتلال نفسه بدأ يتعامل مع هذه الميلشيات كعناصر منتهية الصلاحية، يُتخلص منها بالقتل المباشر أو بإطلاق النار عند أول محاولة للتراجع، في تجسيد عملي لمصير كل من يرتضي أن يكون بندقية مأجورة ضد أهله وشعبه.
ومع تهاوي هذه البؤر وانكشاف أبواقها الإعلامية والتحريضية، تتكرس الحصانة الوطنية والجبهة الداخلية كحائط صد منيع يُسقط كافّة سيناريوهات الشاباك لإيجاد “روابط قرى” جديدة أو هياكل أمنية موازية داخل القطاع.
ويقول الناشطون إن التحركات الشعبيّة والعشائرية، المقترنة بصحوة الوعي المجتمعي، أغلقت كافة منافذ التسلل أمام الطابور الخامس، معلنةً أن مرحلة الفلتان والعمالة قد بلغت نقطة اللاعودة، وأن الحساب الوطني والقانوني سيبقى ملاحقاً لكل من تورط في سفك الدماء أو نهب المساعدات أو التنازل عن الثوابت الوطنية.
تحالف السقوط يلتهم نفسه.. صراع أبواق “شبكة أفيخاي” يتعرى أمام العلن



