أبواق حرب نفسية.. انفضاح دور المنصات المشبوهة في استهداف المقاومة والجبهة الداخلية منذ 7 أكتوبر

منذ اندلاع معركة “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023، لم تقتصر أدوات العدوان الإسرائيلي على التدمير العسكري والقصف الجوي، بل واكبته موجة عاتية من الحرب النفسية والإعلامية التي هندستها استخبارات الاحتلال وأدارتها الشبكات و المنصات الإعلامية المشبوهة.
وقادت هذه القنوات والصفحات وفي مقدمتها منصات أمنية مستحدثة كـ “جسور” و”جذور”، إلى جانب تغطيات وسائل إعلام عربية كقناة “العربية” وباقة من الشبكات الرقمية الموجهة حملات تحريض ممنهجة استهدفت بنية المقاومة الفلسطينية، وسعت على مدار سنوات العدوان إلى تفكيك الجبهة الداخلية وضرب الحاضنة الشعبية في قطاع غزة.
وتتنوع هذه المنصات بين شبكات إعلامية ضخمة وأخرى صفحات رقمية ممولة تُدار عبر بؤر استخباراتية في الخارج أو تحت رعاية مباشرة من أجهزة “الشاباك” والإعلام العسكري الإسرائيلي.
وتبرز في مقدمتها المنصات الأمنية الموجهة مثل منصتي “جسور” و”جذور”، اللتين أُنشئتا كواجهات رقمية براقة لتمرير رواية الاحتلال باللغة العربية، حيث تركزان على نشر تسريبات مفبركة، ومقاطع فيديو مجتزأة، وافتعال روايات كاذبة تزعم احتكار المقاومة للمساعدات أو تسببها المباشر في معاناة المواطنين، إضافة إلى توفير غطاء إعلامي للتصفيات واغتيال الناشطين والصحفيين.
وفي ذات السياق، انتهجت قنوات فضائية كقناة “العربية” وأخواتها خطاً تحريرياً يتقاطع بشكل صريح مع المصلحة الإسرائيلية، عبر التشكيك الدائم في جدوى المقاومة، واستضافة شخصيات تحريضية، واستخدام مصطلحات تخدم الرواية الصهيونية مع إبراز كل ما يفتّ في عضد الجبهة الداخلية.
ويرافق ذلك نشاط مكثف لصفحات التحريض وأبواق “شبكة أفيخاي” التي تسخر أجهزة الاحتلال من خلالها حسابات تُدار عبر أدوات مأجورة وأرباب سوابق هاربين، لملاحقة رموز المقاومة واستهداف الصحفيين والنشطاء بالشيطنة والإساءة الأخلاقية لتهيئة الميدان لاغتيالهم جسدياً ومعنوياً.
ويحمل هذا التركيز المكثف على ملاحقة المقاومة دلالات أمنية وسياسية خطيرة، إذ تسعى تلك المنصات إلى شرعنة حرب الإبادة والتجويع ونفي المسؤولية عن الاحتلال الإسرائيلي في ارتكاب المجازر وفرض الحصار، مع إلقاء اللوم كاملاً على المقاومة لتوفير مبررات أخلاقية وسياسية تضمن إطالة أمد الإبادة الجماعية.
كما عملت هذه الأدوات بشكل حثيث على تبييض صورة العملاء والميليشيات التي شكلها الشاباك خلف “الخط الأصفر” مثل عصابات غسان الدهيني وشوقي أبو نصيرة وأشرف المنسي، وإظهارهم بمظهر المنقذين للتغطية على جرائمهم.
إلى جانب ذلك، يعتمد الخط التحريري لهذه المنصات على صناعة اليأس وبث الرعب عبر ضخ إحصائيات التدمير بأسلوب تهويلي يهدف لإقناع المواطن بعقم الصمود، ونشر الشائعات لإحداث الفلتان الأمني.
وقد وظفت هذه المنصات أساليب خبيثة لاختراق التماسك الشعبي، جاء في مقدمتها الاستهداف الممنهج للصحفيين والنشطاء عبر حملات تشويه وتخوين سبقت عمليات اغتيالهم المباشرة من قبل طائرات الاستطلاع، كما حدث في التحريض الذي سبق اغتيال الصحفي الشهيد حسن أصليح وغيره من صناع الحقيقة.
كما استثمرت هذه المنصات في الأزمات الإنسانية وآلام النازحين من خلال إشاعة الفتنة العشائرية، والتحريض على اللجان الشعبية والأجهزة الأمنية التي تؤمن شاحنات المساعدات، لتفسيح المجال أمام عصابات السرقة والتهريب.
غير أن التطورات الأخيرة كشفت تآكل هذه الشبكات من الداخل عقب تفجر صراعات مادية وأخلاقية وتراشق بالفضائح بين أبواقها، مما عرّى أمام الرأي العام الغزي حقيقة كونهم مجرد أدوات استخباراتية تُدار بالمال السحت.
ورغم الحجم الهائل للتمويل والتغطية الإعلامية التي حظيت بها هذه المنصات المشبوهة منذ بدء العدوان، إلا أن مراهنتها على كسر إرادة الشارع الغزي منيت بفشل ذريع، بعدما أظهر المجتمع الفلسطيني وعياً متقدماً في تمييز الخطاب الإعلامي المعادي ونبذ محتوى هذه المنصات.
وتؤكد القوى الوطنية والعشائر العائلية في قطاع غزة أن الحصانة الشعبية والوعي التراكمي لدى الأهالي يشكلان السد المنيع الذي تتحطم عليه كافة مخططات الحرب النفسية، مشددة على أن ملاحقة أدوات التحريض الإعلامي وتعرية أسمائها وصناعها واجب وطني لحماية الجبهة الداخلية، وأن التاريخ والشعب لن يرحما كل من سخر قلمه أو منصته لخدمة الاحتلال وطعن الشعب في أحلك الظروف.



