لماذا يصعّد الاحتلال استهداف عناصر الأمن والشرطة في غزة؟ قراءة بالأهداف والتداعيات

يصعد الاحتلال من وتيرة استهدافه لعناصر أجهزة الشرطة والأمن في قطاع غزة، وسط تساؤلات حول أهداف هذه الضربات، في وقت يحذر فيه الكثيرون من أن هذه العمليات لا تستهدف فقط بنى أمنية، إنما تسعى إلى إرباك المشهد الداخلي وضرب حالة الاستقرار المجتمعي في القطاع.
ويرى محللون أن تكثيف استهداف جيش الاحتلال الإرهابي لعناصر الشرطة المدنية يأتي في سياق سعي الحكومة الصهيونية الحثيث لبث الفوضى في القطاع، وإضعاف المنظومة الأمنية، وتنفيذ أجنداتها الخبيثة.
وتندرج هذه السياسة، ضمن استراتيجية أوسع، حيث يسعى الاحتلال من وراء استهداف الشرطة الفلسطينية، إلى منح مليشيات العملاء التي تعمل لصالحه وتقدم خدماتها له، مساحة أوسع للعمل عبر ضرب اليد التي تلاحقهم وتسعى ورائهم.
ويؤكد خبراء أن هذه المليشيات لا يمكن فصلها عن منظومة الاحتلال أجنداته، بل تشكل أخطر أدواته، خاصة أن عناصرها تندرج من البيئة المحلية الذي من شأنه تعقيد الواقع الفلسطيني والمشهد الأمني الداخلي.
استهداف الشرطة.. بوابة لتمكين المليشيات
بالإطار، كتب الخبير الأمني والعسكري رامي أبو زبيدة، مقالًا أوضح فيه أن استهداف الأجهزة الأمنية والشرطية في غزة “ليس تطوراً عابراً في بنك الأهداف الإسرائيلي، بل سلوك مقصود ضمن إدارة الصراع، نظراً للطبيعة المدنية لهذه الأجهزة”.
ويحمل التصعيد، بحسب الخبير الأمني، دلالة واضحة، إذ “كلما أظهرت الأجهزة الأمنية قدرة – ولو محدودة – على ملاحقة المتعاونين وفرض حد أدنى من النظام، يتصاعد الاستهداف”، كما يعكس “رغبة الاحتلال في منع تشكل أي بنية داخلية قادرة على التعافي أو إعادة تنظيم نفسها، لأن وجود مثل هذه البنية يحد من قدرته على الاختراق والتأثير”.
فيما أكّد المحلل السياسي، ذو الفقار سويرجو، أن تعمد الاحتلال الإسرائيلي استهداف أي قوى أمنية في قطاع غزة يهدف إلى خلق حالة من الفراغ السياسي داخل القطاع وتمهيد الطريق لمليشيات تابعة له تقوم بالسيطرة على القطاع.
وقال سويرجو: “ليس لدى إسرائيل أي مشروع سياسي واضح للتعامل مع قطاع غزة بعد إعلان وقف إطلاق النار، وهي تحاول بكل السبل خلق حالة من الفراغ السياسي داخل القطاع، من خلال ضرب أي قوة أمنية قادرة على ضبط الأوضاع الداخلية في القطاع بهدف تمهيد الطريق للميليشيات التابعة لإسرائيل لتقوم بدورها الأمني والسيطرة على القطاع”.
وأضاف: “هذه المحاولة الإسرائيلية تم تجريبها قبل ذلك في جنوب لبنان، وفشلت ولا أعتقد أن لها أي مستقبل ولا أي أمل بالنجاح”.
رغم الاستهداف.. الشرطة درع المجتمع في مواجهة الفوضى
وتشكل الشرطة في غزة العمود الفقري لتنظيم الحياة اليومية، من ضبط الأسواق إلى تأمين دخول المساعدات، واستهدافها لا يحقق مكسباً عسكرياً مباشراً بقدر ما يهدف إلى خلق فراغ وظيفي ينعكس على المجتمع والحاضنة الشعبية.
لذلك، تواصل أجهزة الشرطة في غزة أداء مهامها رغم الاستهداف، انطلاقاً من الحاجة الملحة للحفاظ على الحد الأدنى من النظام في ظل ظروف إنسانية صعبة خلفتها حرب الإبادة الجماعية، حيث يشكل وجودها ًعاملاً أساسياً في حفظ الأمن والنظام وتأمين حياة الناس من قطاع الطرق ومليشيات الاحتلال.
ويبرز دور الشرطة بشكل خاص في تنظيم حياة الناس اليومية داخل مناطق النزوح والإيواء، من خلال تأمين وصول المساعدات، وضبط الأسواق ومنع الاستغلال، بما يخفف عن كاهل المواطنين ثقل الأزمات، فهي الدرع الحامي أمام محاولات العصابات العميلة التسلل لحياة السكان ونهب منازلهم وممتلكاتهم، وتهديد السلم المجتمعي والاستقرار.
ويتجاوز إصرار الشرطة الفلسطينية على مواصلة عملها “الوظيفة التقليدية”، فهي تعمل في ظروف تكاد تنعدم فيها مقومات المؤسسات الموجودة في الدول المستقرة، في محاولة لمنع الانزلاق إلى نموذج الفوضى.
هذا الإصرار مدعوم بحاضنة مجتمعية “تدرك أن غياب الشرطة لا يعني فقط غياب القانون، بل غياب الحد الأدنى من الأمان”، في علاقة تكاملية؛ فالمجتمع يحتاج الشرطة لتفادي الانزلاق، والشرطة تستمد قدرتها من هذا الاحتضان الشعبي.



