من هوان الخيانة إلى احتقار وذل.. كواليس الاستعباد الأمني لعملاء الاحتلال شرقي غزة

تتجلى اليوم أطوار السقوط المريع لعملاء ميليشيات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، لتكشف عن عمق ارتهانهم وانعدام إرادتهم الوطنية وحتى الشخصية أمام مشغليهم في المنظومة الاستخبارية الإسرائيلية.
ولم تعد الخيانة مجرد خيار سياسي أو موالاة للاحتلال، بل تحولت إلى سخرة مطلقة واستعباد أمني يستنزف أدنى مقومات الكرامة، إذ تكشفت مؤخراً التفاصيل المذلة التي تدار بها تحركات العميل غسان الدهيني، والذي يمنعه ضابط المخابرات الإسرائيلي المشرف عليه والمعروف باسم “الكابتن عمران” من إدارة أي حساب شخصي على منصات التواصل الاجتماعي إلا بأمر واشراف مباشر منه.
وتكشفت معلومات مؤخرًا إلى أن السيطرة التامة تجلت في إجبار العميل غسان الدهيني “رغلة” على إغلاق كافة حساباته السابقة التي تحمل اسمه، وإرغامه على فتح حسابات بأسماء مستعارة يمسك الضابط الإسرائيلي بخيوطها ويديرها بنفسه.
إن هذا المستوى العالي من التحكم والتحقير المتبادل يعكس الفرق الجوهري والعميق بين القامات الوطنية التي تصدر قراراتها عن ضمير وثوابت مستقلة لا تخضع لأحد، وبين العملاء المأجورين الذين تحولوا إلى دمى متحركة لا تستطيع اتخاذ خطوة واحدة أو كتابة حرف واحد دون إذن ضابط “الشاباك”.
ولم تتوقف مشاهد الهوان عند حدود إدارة الصفحات الافتراضية والتحكم الإعلامي، بل امتدت لتشمل الواقع الميداني اليومي للعملاء والمرتزقة المتواجدين في المناطق الخاضعة لسيطرة جيش الاحتلال شرقي قطاع غزة.
فضائح ميليشيات الاحتلال
ففي الفضائح المتلاحقة التي كشفت عنها مصادر وشهادات أمنية، يظهر حجم الازدارء والدونية التي يعامل بها الشاباك والجيش أدواتهم الرخيصة؛ إذ يرفض الاحتلال بشكل قاطع السماح للعملاء وعائلاتهم بالاستقرار في البيوت القائمة بتلك المناطق، بل يواصل تدمير ما تبقى من منازل ومبانٍ بشكل يومي، مجبراً عناصر الميليشيات وأسرهم على المكوث داخل مدارس مدمرة ومهجورة تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
ويؤكد ناشطون ومتابعون أن هذا السلوك المهين يرسخ حقيقة ثابتة مفادها أن المنظومة الصهيونية تنظر لهؤلاء المنبوذين بأقصى درجات الازدراء، وأن خدماتهم الدنيئة لن تمنحهم أي قيمة أو احترام لدى مشغليهم الذين يرون فيهم أعداءً مؤقتين يُستفاد منهم حتى انتهاء الدور.
ويتطابق هذا الواقع المهين تماماً مع ما كشفته الصحافة العبرية نفسها، حيث أوضحت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن قادة جيش الاحتلال يتصرفون مع عناصر هذه الميليشيات باعتبارهم مجرد “كلاب أثر” بشرية، إذ يتم زجهم بالقوة والإجبار في خطوط المواجهة الأمامية، وداخل المباني المفخخة والأنفاق في المنطقة الصفراء لتقفي آثار المقاومين والتأكد من خلوها من الكمائن والعبوات الناسفة قبل تقدم الجنود الإسرائيليين، وهو ما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات من هؤلاء المرتزقة بعد وقوعهم في كمائن ميدانية محكمة.
ومع هذا الفشل الذريع، وتزايد التقارير الحقوقية التي توثق جرائمهم المتمثلة في الخطف، والتعذيب، وتجنيد الأطفال، والاتجار بالمخدرات، ونهب قوافل المساعدات، أيقن الاحتلال أن صلاحية هذه الأدوات قد انتهت كلياً.
ولم تقف الإهانات عند حدود السخرة العسكرية والتهديد بالنفي، بل امتدت لتطال الرعاية الطبية والإنسانية؛ حيث رفضت المنظومة الصحية والأمنية الإسرائيلية تقديم العلاج للمصابين من عناصر هذه الميليشيات داخل المستشفيات العبرية.
وقامت المخابرات الإسرائيلية بطرد وتصريف 13 عميلاً مصاباً يعانون من جراح بالغة الخطورة، وألقت بهم في مستشفيات خاصة بالضفة الغربية، حيث وثق ناشطون فلسطينيون تواجد هؤلاء المطرودين في ثلاثة مشافٍ رئيسية بمحافظة رام الله، وهي المستشفى الاستشاري العربي بضاحية الريحان، ومستشفى يافا الجراحي التخصصي ببيتونيا، ومستشفى “إتش كلينك” التخصصي بشارع الإرسال.
وتأتي هذه التفاصيل بالتوازي مع انهيار سياسي كامل للمشروع الإسرائيلي الذي حاول صناعة “سلطة بديلة” في قطاع غزة، إذ كشفت تسريبات موثقة من أروقة اجتماعات العاصمة المصرية القاهرة عن حسم بند أساسي حاز على إجماع كافة الأطراف الفاعلة، بما يشمل الفصائل الفلسطينية، والجانب المصري، والمنسق الأممي نيكولاي ميلادينوف، ولجنة التكنوقراط المعنية بالإدارة.
ويقضي هذا البند بالتفكيك الفوري والشامل لميليشيا المنسي وبقية الميليشيات العميلة شرقي غزة، وسحب سلاحها بالكامل تحت إشراف الوسطاء. وقد أحدث هذا الحسم السياسي حالة ذعر وانشقاقات حادة داخل بنية العصابات، تجلت علناً في الخروج المرئي المتكرر للعميل شوقي أبو نصيرة “عوعو”، وهو يستنجد بيأس بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب والجمهورية المصرية للتدخل، بعد إدراكه الحتمي لرفع الغطاء الأمني وتصفية مربعاتهم الميدانية.
ويقول مختصون إن استراتيجية الاحتلال لتأهيل وجوه مأجورة لإدارة ما يسمى بـ “اليوم التالي” قد لفظت أنفاسها الأخيرة، ليدرك هؤلاء المرتزقة متأخرين أنهم في نظر مشغليهم ليسوا سوى أدوات رخيصة تُستعمل لأقذر المهام ثم تُرمى لتواجه مصيرها المحتوم في مزابل التاريخ.
“إلا الدم”.. جبهة عشائرية وشعبية متماسكة لقطع الطريق على الفلتان ومخططات الاحتلال



