اختراق استخباري أم رسالة أمنية؟ قراءة في دلالات اعتقال مسؤول رفيع بغزة

بقلم الكاتب رامي أبو زبيدة: استخبارياً، يمكن قراءة العملية ضمن ثلاثة مستويات مترابطة؛ لا باعتبارها عملية اعتقال لشخصية أمنية فحسب، وإنما باعتبارها محاولة لاستثمار الهدف البشري للوصول إلى بنية معلوماتية وأمنية أوسع:
أولاً: دلالة الاختراق الاستخباري
إن الوصول إلى مسؤول أمني رفيع واعتقاله حياً داخل مدينة غزة يشير، وفق الرواية الإسرائيلية، إلى قدرة استخبارية على اختراق البيئة الأمنية المحيطة بالقيادات، وتحديد موقع شخصية يُفترض أنها تتخذ إجراءات احترازية عالية في الحركة والاتصال والظهور. وتكتسب هذه النقطة أهميتها من أن نجاح العملية لا يقاس فقط بالوصول إلى الهدف، وإنما بما تكشفه عن مستوى المعرفة الإسرائيلية بالبيئة التي يتحرك فيها الهدف وشبكة الحماية المحيطة به.
ثانياً: استهداف الوظيفة الأمنية وليس الشخص فقط
تنبع أهمية اعتقال معين محمد العرابيد، وفق ما أوردته المصادر الإسرائيلية، من موقعه داخل البنية الأمنية الخاصة بحركة حماس في مدينة غزة. وبالتالي فإن استهداف مسؤول يشغل وظيفة أمنية من هذا النوع قد يتجاوز أثره الفردي إلى محاولة إرباك إحدى الآليات التي تعتمد عليها الحركة في حماية كوادرها، وضبط بيئتها الداخلية، ومواجهة محاولات الاختراق والتجسس. ومن هذا المنظور، تصبح العملية استهدافاً لوظيفة أمنية داخل التنظيم بقدر ما هي استهداف لشخص يشغل هذه الوظيفة.
ثالثاً: القيمة الاستخبارية للاعتقال
وهذه هي النقطة الأكثر أهمية في تقدير القيمة الاستخبارية للعملية أولها المصدر البشري: إن الهدف الذي يُقتل تنتهي معه إمكانية استثماره كمصدر بشري مباشر للمعلومات، بينما يتيح الاعتقال —من حيث المبدأ— إمكانية الحصول على معلومات قد تتجاوز الشخص ذاته إلى الشبكات التي يعمل ضمنها.
أما على نطاق المعرفة المحتملة فقد تشمل القيمة المحتملة معرفة متعلقة بالبنية الأمنية، وطرق الاتصال، وشبكات الحماية، وآليات الحركة والاختفاء، والعلاقات بين المستويات الأمنية والعسكرية والسياسية.
وهذه بطبيعة الحال فرضيات تقديرية حول القيمة الاستخبارية المحتملة للاعتقال، وليست معلومات مؤكدة عن نتائج التحقيق معه.
ومن هنا يمكن تفسير الفارق بين الاستهداف والاعتقال في مثل هذه العمليات؛ فإذا كانت الظروف العملياتية تسمح بالوصول إلى الهدف حياً، فإن القيمة لا تكمن فقط في تحييد فرد، وإنما في إمكانية تحويله إلى مدخل للحصول على معلومات تساعد في تفكيك شبكة أوسع.
وبالتالي، قد تكون القيمة الاستخبارية للعملية أكبر من قيمتها العسكرية المباشرة. فالإنجاز الإسرائيلي الحقيقي لا يتحدد بمجرد الإعلان عن اعتقال مسؤول أمني رفيع، وإنما بمدى قدرة أجهزة الاستخبارات على تحويل هذا الاعتقال إلى معرفة قابلة للاستثمار العملياتي ضد البنية الأمنية والتنظيمية لحركة حماس.
وفي المستوى الأوسع، تحمل العملية رسالة استخبارية وأمنية مزدوجة: أن إسرائيل تقول إنها ما زالت قادرة على الوصول إلى مستويات متقدمة داخل البنية الأمنية لحركة حماس، وأنها لا تكتفي بتحديد الأهداف، بل تستطيع الوصول إليها والسيطرة عليها حياً. وإذا أثبتت التحقيقات اللاحقة أن الاعتقال أفضى إلى معلومات نوعية، فإن قيمة العملية ستتجاوز بكثير حدود الهدف الذي أُعلن عنه، لتصبح مؤشراً على توسع التجنيد البشري والاختراق الإسرائيلي على الأرض داخل قطاع غزة.
تاريخ من السوابق.. فضائح العميل مؤمن الناطور تسقط آخر أقنعة “شبكة أفيخاي”



