فتح تنقلب على فتح.. من تمجيد الشهداء إلى التنكر من تضحياتهم !

في مفارقة عجيبة، وبينما كان الرئيس الراحل ياسر عرفات يستحضر أرقام الشهداء كرمز للوفاء والنضال الفلسطيني في خطاباته، باتت حركة فتح وسلطة محمود عباس اليوم تقلب الموازين وتقيس الذاكرة الوطنية والمقاومة الشعبية بمقاساتٍ مختلفة تخدم مشاريعها السياسية ومصالحها أولًا.
ففي الوقت الذي شكلت فيه أرقام التضحيات، كـ 72 ألف شهيد وجريح في بيروت، و12 ألفًا في صراعات طرابلس، وزهاء ألفين في الانتفاضة. ركيزةً استند إليها “أبو عمار” لإثبات مشروعية النضال وصون الذاكرة الجمعية، تشهد الساحة اليوم تحولًا في تعاطي السلطة بقيادة عباس مع تلك المحطات، تقوم على مهاجمة حراك التحرر الوطني والتنكر لأبرز معاركه.
ولم تكن حركة فتح وحدها تتعامل مع تضحياتها وشهدائها باعتبارهم جزءًا أساسيًا من تاريخها، بل كانت حركات التحرر الفلسطينية كافة، وعلى اختلاف ألوانها، تتفاخر بمسيرة الشهداء والكفاح من أجل التحرير.
لماذا انقلبت فتح على مسارها التاريخي؟
في الإجابة على ذلك، كشف القيادي السابق في فتح، معين الطاهر، العضو السابق في المجلس الثوري للحركة والمجلس العسكري الأعلى للثورة الفلسطينية، عن أزمة عميقة تضرب جوهر حركة فتح ومسارها التاريخي، معتبراً أن الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود تتجه اليوم نحو مسار يناقض الأسس التي انطلقت لأجلها منذ تأسيسها.
وقال الطاهر إن فتح انتقلت تدريجياً من حركة تحرر وطني تقود الكفاح المسلح وتتبنى تحرير كامل التراب الفلسطيني، إلى كيان سياسي ذائب في بنية السلطة الفلسطينية، فاقدٍ لاستقلاله الثوري وقراره الوطني، ومكبّل بالتزامات سياسية وأمنية فرضتها اتفاقات التسوية، وفي مقدمتها اتفاق أوسلو عام 1993.
وأشار الطاهر إلى أن التحولات التي مرت بها فتح لم تكن مفاجئة، بل جاءت نتيجة مسار طويل من التنازلات المتراكمة، حيث حاولت الحركة في مراحلها الأولى الجمع بين البندقية ومسار التسوية، قبل أن تنتهي فعلياً إلى التخلي الكامل عن خيار الثورة، تحت شعار الانتقال من حركة تحرر إلى “مشروع دولة” لم يرَ النور، فيما بقي الاحتلال يتمدد والاستيطان يتوسع.
وحذر الطاهر من أن ما تواجهه فتح اليوم لم يعد مجرد نهاية مرحلة أو إخفاق سياسي، بل مساس مباشر بجوهر الفكرة التي قامت عليها الحركة، في لحظة تهدد بتفريغ المشروع الوطني الفلسطيني من مضمونه التاريخي، ومنع أي إمكانية لولادة مسار تحرري جديد.



