كيف تعيد “إسرائيل” تشكيل المسار التجاري في غزة عبر مصاصي الدماء؟

تظهر المؤشرات الاقتصادية أن “إسرائيل” تتجه نحو إعادة هندسة القطاع التجاري في غزة بما يخدم أهدافًا سياسية تتجاوز حدود القطاع ذاته.
فبعد سنوات من استنزاف سكان غزة عبر منظومة “التنسيقات” التي أدخلت ملايين الشواكل إلى خزينة حكومة بنيامين نتنياهو عبر وسطاء وسماسرة، تنتقل “إسرائيل” اليوم إلى مرحلة جديدة تقوم على إعادة تشكيل آليات إدخال البضائع إلى القطاع ضمن رؤية استراتيجية أوسع.
ويتمثل التغيير الأبرز، وفق المختصين، في السعي إلى خنق الاقتصاد في الضفة الغربية من خلال وقف مسار إدخال البضائع إلى غزة عبرها، مقابل فرض مسارات تجارية جديدة تتحكم بها شركات إسرائيلية محددة.
هذه المقاربة تسمح بإدخال البضائع الإسرائيلية إلى غزة بشكل مباشر، ما يضعف المنتج الفلسطيني ويحرم أسواق الضفة من منفذ رئيسي، ويمنح في المقابل المنتج الإسرائيلي فرصة لتعزيز حضوره وإعادة إنعاش سوقه على حساب الاقتصاد الفلسطيني.
ويرى مختصون أن هذه السياسات لا يمكن فصلها عن التحضيرات الإسرائيلية للمرحلة المقبلة، بما في ذلك الحديث عن تشكيل “مجلس السلام” أو “لجنة التكنوقراط” ككيان إداري جديد.
وتشير تقديرات المختصين الاقتصاديين إلى أن “إسرائيل” تدرك صعوبة استمرار نموذجها الاقتصادي المفروض في ظل وجود هياكل إدارية فلسطينية فاعلة.
هذا الأمر يدفع “إسرائيل” إلى محاولة فرض واقع اقتصادي جديد يقوم على تضييق الخناق على اقتصاد الضفة الغربية، في مقابل استخدام غزة كمنفذ لتعزيز السوق الإسرائيلية وترسيخ تبعيتها الاقتصادية.
ووفق مطلعون فإن هذه الإجراءات سوف تساعد “إسرائيل” لإعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية الفلسطينية وفق رؤيتها، وبما يحوّل غزة إلى سوق خاضعة للمنتج الإسرائيلي، ويعمّق الأزمة الاقتصادية في الضفة في سياق استراتيجية تجمع بين الضغوط الاقتصادية والاعتبارات السياسية.
حرب التنسيقات
وأمس كشف المختص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر عن معطيات خطيرة تتعلق بتفاقم الحرب الاقتصادية على قطاع غزة خلال العامين الماضيين، مشيرًا إلى أن منظومة التنسيقات التجارية باتت أحد الأدوات المركزية في إحكام الخنق الاقتصادي ورفع الأسعار بشكل غير مسبوق.
وقال أبو قمر إن حجم الأموال التي دفعها قطاع غزة عبر قنوات التنسيقات التجارية تجاوز مليار دولار منذ بداية الحرب، “وهذه العمليات تُدار عبر وسيط يرتبط بعلاقات مباشرة مع الاحتلال، ويتم من خلالها تمرير الضرائب وفرض رسوم باهظة على دخول البضائع”.
وأشار إلى أن قيمة التنسيقات شهدت ارتفاعًا هائلًا، إذ وصلت تكلفة شاحنة كانت تُنسَّق سابقًا بـ 300 ألف شيكل إلى نحو 900 ألف شيكل حاليًا.
وأكد أبو قمر أن المواطن هو المتضرر الأكبر من هذه الرسوم، إذ تُرحّل كامل قيمتها إلى المستهلك ولا يتحمّل التجار منها شيئًا، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني في الأسواق.
ولفت إلى أن التنسيقات لم تعد وسيلة لتنظيم الحركة التجارية، بل تحوّلت إلى شكل واضح من أشكال الاحتكار، إذ تتحكم أربع شركات إسرائيلية فقط في مسار السلع وكمياتها وأسعارها، الأمر الذي يعني مصادرة القرار الاقتصادي الفلسطيني وتحويل السوق الغزّي إلى ملحق تابع للاقتصاد الإسرائيلي.
ووفق أبو قمر، فإن هذه السياسات تأتي ضمن ما يسميه خبراء الاقتصاد بـ”هندسة المجاعة”، حيث تتوفر السلع داخل الأسواق لكن قدرة المواطنين على شرائها متدنية للغاية، في وقت يعيش فيه معظم السكان تحت خط الفقر وتصل فيه نسبة البطالة إلى نحو 80%.
وأوضح أن الأسعار تضاعفت بين أربع إلى خمس مرات مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، ما فاقم حالة الانهيار الاجتماعي وزاد من تعرية الأسر اقتصاديًا، محذرًا من أن استمرار هذه السياسة سيترك آثارًا مدمرة على مدخرات ومقدرات المواطنين خلال السنوات المقبلة.
وعرض أبو قمر أرقامًا صادمة حول تراجع القطاعات الإنتاجية خلال عام 2025، إذ هبط قطاع الإنشاءات بنسبة 99%، والصناعة بنسبة 94%، والزراعة بنسبة 92%، في حين تراجع قطاع الخدمات بنسبة 82%.
وقال إن هذه المؤشرات تعكس انتقال المجتمع في غزة من اقتصاد قائم على الإنتاج إلى اقتصاد بقاء يفتقر لأي مقومات تنمية.
وأكد المختص بالشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر على ضرورة وقف سياسة التنسيقات والضغط من أجل عودة طبيعية لحركة البضائع، إضافة إلى ملاحقة الجهات والشركات الضالعة في هذه المنظومة، تجنبًا لعواقب اقتصادية واجتماعية بالغة الخطورة على مستقبل القطاع.



