الإعلام العبري.. حرب نفسية ولعب على أوتار الوعي

يرى مختصون في الإعلام والاتصال أن الإعلام العبري أصبح خلال الفترة الأخيرة واحدًا من أهم ميادين الصراع، بعدما تحوّل إلى أداة مؤثرة تُستخدم لإدارة الحرب النفسية وتوجيه الرأي العام، مستهدفًا المجتمع الفلسطيني وخصوصًا سكان قطاع غزة.
ويؤكد الخبراء أن ما يُنشر عبر المنصات العبرية لم يعد مجرد تغطية للأحداث، بل بات جزءًا من إستراتيجية متكاملة تهدف إلى التأثير على الحالة النفسية للمواطنين ومحاولة تشكيل وعيهم بما يخدم أهدافًا سياسية وعسكرية.
ويشير المختصون إلى أن البث المتكرر للعناوين العاجلة ذات الطابع المثير أصبح أسلوبًا ثابتًا يهدف إلى إدخال الجمهور في حالة من القلق المستمر، حتى في غياب أي تطور فعلي على الأرض.
ويستخدم الاحتلال عبر إعلامه لغة مكثفة لإيصال رسائل تهويلية تستند غالبًا إلى توقعات مظللة أكثر من استنادها إلى معلومات موثوقة، وهو ما يجعل هذا النوع من المحتوى أداة ضغط نفسي لا تنفصل عن سياق المعركة.
ويضيف الخبراء أن المبالغة هي إحدى السمات البارزة في التغطية العبرية، إذ يجري تضخيم التطورات العسكرية أو الأمنية لإظهار صورة قوة مطلقة، في محاولة لترسيخ انطباع بأن السيطرة على مجريات الأحداث باتت محسومة.
ويرى المختصون أن هذا الأسلوب يهدف إلى خلق صورة ذهنية معينة تتجاوز الحقيقة على الأرض، مستغلين طبيعة اللحظة الحرجة التي يعيشها الجمهور في مناطق الصراع.
كما تُشير التحليلات إلى أن التضليل الإعلامي يمثل محورًا مهمًا في صناعة الرسالة العبرية، عبر نشر معلومات مجتزأة أو تسريبات غير مكتملة يجري تداولها باعتبارها حقائق، بينما تُستخدم فعليًا لقياس ردود الفعل أو لزرع الشك والانقسام داخل المجتمع المستهدف.
ويؤكد الخبراء أن هذا النوع من المحتوى يُصاغ بعناية، بحيث يترك مساحة واسعة للتأويل، ويُحدث ارتباكًا يصعب على الجمهور معه التمييز بين الواقعي والموجه.
ويلفت هؤلاء إلى أن توجيه الرأي العام يعد عنصرًا أساسيًا في المنظومة الإعلامية العبرية، حيث تُعاد صياغة روايات محددة وتُدفع إلى الواجهة عبر محللين وخبراء ومراسلين، بهدف منحها طابعًا مهنيًا ومصداقية ظاهرية، رغم أنها في جوهرها تحمل توجهًا يخدم أهدافًا معينة.
ويتم تدوير هذه الروايات عبر مختلف المنصات لتصبح جزءًا من الخطاب السائد، ما يسهل على الجمهور تقبّلها باعتبارها حقائق راسخة.
ويرى الخبراء أن مواجهة هذا التأثير تتطلب وعيًا مجتمعيًا متماسكًا، يقوم على التعامل الحذر مع ما يُنشر في الإعلام العبري، والاعتماد على المصادر الموثوقة والجهات الرسمية في الحصول على المعلومات.
ويشددون على أن ضبط التلقي الإعلامي في زمن الحرب الرقمية أصبح مسؤولية فردية وجماعية، وأن الوعي يشكل اليوم خط الدفاع الأول لحماية الجبهة الداخلية من محاولات التأثير النفسي والتضليل.
الحرب النفسية
من زاوية أخرى يرى مختصون في الدراسات النفسية والإعلامية أن الحرب النفسية باتت إحدى الأدوات الأكثر حضورًا في الصراعات الحديثة، حيث تُدار بصمت وبدقّة ضمن منظومة مدروسة تستهدف عقل الإنسان قبل جسده، ووعيه قبل واقعه، وتعمل على ضرب الروح المعنوية وزرع الشكوك والقلق في نفوس المواطنين.
ويؤكد الخبراء أن هذه الحرب لا تعتمد على الضجيج، بل على التدفق البطيء والمتواصل للمعلومات المتلاعبة، التي تُبنى بعناية لاستثمار الثغرات النفسية والاجتماعية في المجتمعات المستهدفة.
ويشير المختصون إلى أن إدارة الحرب النفسية تتم عبر أساليب متعددة أهمها ضخ الأخبار المفاجئة وغير الموثوقة لخلق صدمة أولية لدى الجمهور، ثم العمل على تكرار الإشاعات بطريقة تجعلها تبدو مع الوقت أقرب إلى الحقيقة المقبولة.
كما يتم خلط المعلومات الصحيحة بالمضللة بشكل مقصود لإرباك المتلقي وإضعاف قدرته على التمييز، إضافة إلى تضخيم الجوانب السلبية وتجاهل الصورة الكاملة، بما يؤدي إلى خلق شعور عام بعدم الاستقرار وانعدام اليقين.
وبحسب التحليلات، فإن الهدف المركزي لهذه الحرب يتمثل في زعزعة الثقة الداخلية، وإنهاك الناس نفسيًا، ودفعهم إلى التفاعل مع الأحداث من موقع الخوف بدل الوعي.
ويؤكد الخبراء أن إفشال هذه الأدوات يبدأ من الفرد نفسه، عبر التثبّت من المعلومات قبل تداولها، والتمييز بين الخبر والرأي، وعدم مشاركة أي محتوى يربك الجمهور أو يؤثر على تماسك الجبهة الداخلية.
ومن جانب آخر، يوضح مختصون في الشؤون الأمنية أن فهم سلوك الاحتلال يتطلب مراقبة خطواته العملية بدل الانشغال بتصريحاته.
ويرى الخبراء أن الاحتلال يعتمد على منهجية التجريب والتقييم قبل الانتقال إلى خطوات أوسع، كما أنه يفضّل التأثير النفسي عندما يكون ذلك ممكنًا على حساب المواجهة المباشرة، ويعمل على تضخيم إنجازاته وتقليل إخفاقاته في إعلامه الداخلي والخارجي.
ويقول هؤلاء إن الوعي في هذه المرحلة يمثل أحد أهم خطوط الدفاع، إذ يحمي المجتمع من تأثيرات الحرب النفسية من خلال فهم آلياتها وعدم الانجرار خلفها.



