في غزة.. مبادرون دون أولويات للإغاثة

يرى مختصون في قطاع غزة أن جهود جمع التبرعات في قطاع غزة، وسط الظروف الإنسانية القاسية، تحول إلى ملف اقتصادي وأخلاقي معقد، في ظل غياب إطار منظم يضبط عمليات جمع الأموال ويحدد أولويات الصرف بشكل واضح.
ويقول هؤلاء في أعقاب هجوم حاد تتعرض له حملات دعم وإسناد النازحين وخاصة ما تعرضت له مبادرة “يد العون” مؤخرًا، إن العشوائية التي تحكم الكثير من المبادرات الفردية وبعض المؤسسات تفتح الباب أمام سوء الإدارة، وتثير شبهات حول غياب الشفافية والرقابة.
وتبرز الإشكالية الأولى وفق ما أورده المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر في غياب ترتيب الأولويات، إذ شهد العام الماضي حملات لجمع أموال لمشاريع غير قابلة للتحقق رغم أن الاحتياجات العاجلة كانت تتركز في الغذاء والدواء والمأوى.
هذا الخلل وفق أبو قمر يعكس ضعف التخطيط، ويساهم عمليًا في إهدار الموارد، حتى وإن كانت النوايا قائمة على مساعدة المنكوبين.
أما الإشكالية الأعمق فتتعلق بـ ظهور فئة من المبادرين الجدد، ممن دخلوا عالم جمع التبرعات بشكل مفاجئ، دون خبرة أو رقابة، وبرزت سلوكيات أثارت تساؤلات مجتمعية واسعة.
ويتابع أبو قمر أن البعض ممن كانوا يعانون قبل الحرب من ضيق مالي واضح، باتوا اليوم يتنقلون بمركبات حديثة ويسافرون خارج غزة، بينما يظل مصير الأموال التي جُمعت باسم القطاع غير معروف على وجه الدقة، دون نشر تقارير مالية أو توضيح آليات الصرف.
ويلفت أبو قمر في حديثه أن المسؤولية الأخلاقية تقع على الجميع، “إلا أن الجهات الحكومية تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية بسبب عدم قدرتها حتى الآن على تنظيم عمل المبادرات، أو حصرها، أو مراقبة حساباتها بشكل رسمي وشفاف”.
ويخشى مختصون من أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى خروج أموال كبيرة خارج القطاع دون تدقيق، لا سيما إذا أعيد فتح المعابر قريبًا.
أسس واضحة
ويرى مراقبون أن كل حملة تبرعات يجب أن تقوم على أسس واضحة تشمل: هدفًا محددًا، وجهة معلنة لاستقبال الأموال، مشاريع قابلة للتنفيذ، وجداول زمنية واقعية تأخذ بعين الاعتبار ظروف الحرب والحصار وما يرافقهما من تعقيدات.
كما يشير خبراء اقتصاديون إلى أن إعادة الإعمار مسؤولية دولية بالدرجة الأولى، وأن غياب مواد البناء وعلى رأسها الإسمنت يجعل الحديث عن مشاريع إعمار شاملة أمرًا غير واقعي، وأن ما يمكن تنفيذه حاليًا يقتصر على ترميمات محدودة باستخدام مواد شحيحة داخل القطاع.
ويبرز وفق رؤية الخبراء أن الأولوية الإنسانية والأخلاقية تكمن في توفير المأوى والغذاء والماء والملبس لمن فقدوا منازلهم، إضافة إلى دعم بيئة التعليم للطلاب في ظل الظروف المعيشية الصعبة، “فهذه الاحتياجات العاجلة تمثل الترجمة الحقيقية لثقة المتبرعين، وتعكس أمانة التعامل مع معاناة المتضررين”.



