ميليشيات غزة.. إلى أين؟

قال مختصون إنّ ميليشيات غزة والمجوعات المسلّحة، التي أنشأها الاحتلال الإسرائيلي ووفّر لها الغطاء والدعم، لم تتجاوز كونها أدوات تكتيكية مؤقّتة مرتبطة بوظيفة محددة، هدفها الضغط على المقاومة وضرب حاضنتها الشعبية.
وبيّنوا أنّ ميليشيات غزة ليست أكثر من محاولة لفرض بيئة داخل القطاع تستجيب لشروط الاحتلال، لكنها تبقى ورقة قابلة للإهمال والتخلّي عنها فور فقدانها قيمتها أو تحوّلها إلى عبء على الاحتلال نفسه.
وأوضح كاتب سياسي أنّ التجارب التي ظهرت مؤخرًا من ميليشيات غزة، مثل مجموعة ياسر أبو شباب في رفح، وحسام الأسطل في خان يونس، ورامي حلِّس وياسر خنيدق في شمال غزة، فشلت في تقديم نموذج يمكن للاحتلال الاعتماد عليه أو البناء فوقه.
وأضاف أنّ التاريخ الفلسطيني الحديث شهد أيضًا تجارب مشابهة لعصابات وكيانات وظّفت لضرب الحركات الوطنية أو مساندة الاحتلال، مثل “فصائل السلام” في الأعوام 1938–1939 التي تعاونت مع الاحتلال البريطاني ضدّ الثورة الفلسطينية الكبرى، بقيادة فخري النشاشيبي وفخري عبد الهادي اللذين جرى اغتيالهما لاحقًا، إضافة إلى “روابط القرى” التي ظهرت في ثمانينيات القرن الماضي كمحاولة لتقديم بديل عن منظمة التحرير، قبل أن تفشل شعبيًا وفصائليًا وتستهدفها المقاومة.
وأكد مطلعون أنّ مجموعة ياسر أبو شباب تعدّ أبرز هذه التشكيلات حاليًا، إذ تشير تصريحات أبو شباب نفسه إلى أنّه يعمل تحت إشراف مباشر من الجيش الإسرائيلي، ويستفيد من دعمه وحمايته وتسليحه.
وترتبط ميليشيات غزة بالاحتلال عبر قنوات متعددة، تشمل تزويدها بالسلاح والوسائل القتالية اللازمة لتنفيذ مهامها وحماية مواقعها، إضافة إلى تخصيص “مربعات أمنية” يسهل فيها تحرك أفراد هذه المجموعات.
وفي الوقت الذي يستهدف فيه الاحتلال الطواقم الحكومية التي ترافق قوافل المساعدات بحجة ارتباطها بحماس، فإنّه وفق مختصين يوفر للميليشيات المسلّحة البيئة المناسبة للسطو على القوافل ونهبها، وإعادة بيعها بأسعار باهظة، أو توزيع جزء منها بشكل انتقائي لشراء الولاءات.
وذكرت صحيفة واشنطن بوست أنّ مذكرة داخلية للأمم المتحدة حدّدت مجموعة أبو شباب بوصفها الجهة الرئيسة الأكثر نفوذًا في عمليات النهب المنهجي الواسع لقوافل الإغاثة داخل القطاع.
كما يرتبط دور الميليشيات بالتخابر مع الاحتلال وتقديم معلومات عن المقاومة وكوادرها، والمشاركة الميدانية في تسهيل مهام جيش الاحتلال، بما في ذلك مهاجمة عناصر المقاومة واستهداف المراكز المدنية والحكومية.
وتشمل مهامها أيضًا خلق فراغ أمني شامل عبر استهداف الشرطة والقوى المدنية ومنعها من القيام بمهامها، وهو ما يؤدي إلى انتشار الفوضى وعمليات السرقة والابتزاز وقطع الطرق.
ويُنظر لهذه المجموعات كذلك وفق مختصين كأداة يحاول الاحتلال من خلالها تعميم تجربة أبو شباب بهدف تفكيك هيمنة حماس على القطاع وفرض بدائل محلية موالية له.
أما عن أسباب تشكل هذه المجموعات، فيوضح مختصون أنّها توفّر غطاءً لنشاطات العصابات الإجرامية من سرقة وإتجار بالمخدرات وفرض الإتاوات، كما تلبي الاحتياجات المالية لمن ينخرط فيها، خصوصًا في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية خانقة.
كما يرتبط بعضها بدوافع ثأر وانتقام عائلي بعد معاقبة المقاومة لأفراد من عائلاتهم بتهم العمالة أو تجارة المخدرات.
ميليشيات غزة إلى أين؟
وبحسب مطلعين، فإن مرور نحو عام ونصف على نشاط مجموعة أبو شباب، وظهور مجموعات مشابهة بعدها، يؤكد أنّ هذه التشكيلات تقف على “أقدام إسرائيلية اصطناعية” تفتقر للقدرة على الاستمرار. فعمالتها المكشوفة للاحتلال، وحماية الجيش لها، أدى إلى حالة سخط شعبي واسع تجاهها، ولا سيما في ظل المجازر والجرائم التي يرتكبها الاحتلال في القطاع.
كما أنّ كثيرًا من أفراد ميليشيات غزة هم من أصحاب السوابق وتجار المخدرات والمتورطين في نهب قوافل الإغاثة وسرقة أقوات الناس، وهو ما عمّق رفض المجتمع لهم.
وقد سارعت عائلات كثيرة إلى إصدار بيانات تتبرأ فيها من هؤلاء، وترفع الغطاء العائلي عنهم، تأكيدًا لافتراقهم عن قيم المجتمع الفلسطيني.
وتمكنت المقاومة من توجيه ضربات مؤلمة لهذه المجموعات، حيث تضررت مجموعات أبو شباب والأسطل وحلِّس وغيرها.
وتشير معلومات إلى أنّ هذه التشكيلات لا تستطيع البقاء دون غطاء إسرائيلي مباشر، وأن تراجعها بدأ بالفعل، مع مبادرة عدد من عناصرها إلى تسليم أسلحتهم للمقاومة بعد فتح الباب أمامهم.
ويرى مراقبون أنّ الاحتلال يشعر بالقلق من محدودية قدرة هذه المجموعات على القيام بالدور المطلوب، وأن التعامل معها مقامرة خطيرة، كما قال المعارض الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، نظرًا لطبيعتها الإجرامية غير المنضبطة.
ويخلص مختصون إلى أنّ المصير النهائي لهذه الميليشيات هو الزوال، لكنها ستبقى في المستقبل القريب أداة تكتيكية بيد الاحتلال، يحاول من خلالها إثارة الفوضى ومنع استقرار الوضع الداخلي الفلسطيني، وطعن المقاومة في ظهرها، وإفشال أي جهود لإعادة عجلة الحياة المدنية إلى مسارها الطبيعي.



