تفاصيل ودلالات الخطة الأمريكية لإعمار غزة.. وعود كبرى وشروط تعجيزية

يستعرض المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، في دراسة اقتصادية تحليلية، تفاصيل الخطة الأمريكية لإعادة إعمار قطاع غزة، التي طُرحت في منتدى دافوس عبر رؤية قدمها جاريد كوشنر، بوصفها مشروعًا طويل الأمد يهدف لإعادة بناء القطاع وتحويله إلى مركز اقتصادي حديث.
وتقدم الورقة تحليلًا معمقًا لمراحل الخطة ومكوناتها وآليات تمويلها واشتراطاتها السياسية والأمنية، والمخاطر التي تحيط بها، وصولًا إلى تقييم شامل لجدواها ومآلاتها المحتملة.
وتتطرق الورقة لمراحل الخطة وإعادة تشكيل الجغرافيا حيث تنطلق الخطة من مدينة رفح عبر إنشاء “رفح الجديدة”، التي تتضمن 100 ألف وحدة سكنية تستوعب نصف مليون نسمة، إضافة إلى 200 مدرسة و75 مرفقًا طبيًا و180 مركزًا ثقافيًا ومهنيًا ودينيًا.
اختيار رفح ليس صدفة
وتوضح الورقة أن اختيار رفح ليس قرارًا فنيًا فقط، بل يحمل أبعادًا سياسية وجغرافية ترتبط بإعادة توجيه الحركة السكانية والتجارية، وربما خلق واقع ديموغرافي جديد.
وتتدرج الخطة شمالًا إلى خان يونس، ثم المخيمات ووسط القطاع، وتنتهي بمدينة غزة والشمال في المرحلة الأخيرة، وهو ترتيب تعتبره الورقة ذا دلالة سياسية بالنظر لكون غزة المدينة مركز الثقل السكاني والاقتصادي.
كما تطرقت الورقة إلى مكونات الخطة واصفة إياه بأنها مشاريع كبرى بطابع استثماري حيث تشمل الخطة إعادة بناء شاملة لا تقتصر على ترميم الدمار، بل تتجه لبناء نموذج عمراني جديد عبر مجمعات سكنية، مرافق خدمية، شبكات نقل، ميناء ومطار جديدين، وأبراج شاهقة ومدن إسكانية على نماذج مستوحاة من دبي وسنغافورة.
وترى الورقة أن الطابع الاستثماري والغلبة للمشاريع الفاخرة قد يأتي على حساب الاحتياجات الأساسية، خاصة في قطاع يعاني من هشاشة البنية التحتية وفقر الموارد.
التمويل والتبعية
أما التمويل فيقع في دائرة الغموض حيث ووفق الورقة التي أعدها المركز البحثي تقدّر الخطة التكلفة بـ 112 مليار دولار خلال عشر سنوات، مع اعتماد كبير على المنح والقروض وضمانات الديون دون تحديد واضح للمصادر أو الشروط.
وتشير الورقة إلى أن الخلط بين أدوات التمويل قد يضاعف التبعية الاقتصادية، خاصة أن القطاع يفتقر إلى اقتصاد منتج قادر على تحمّل أعباء الديون.
كما تكشف الورقة عن فجوة بين تقديرات الخطة الأمريكية والتقديرات الدولية لإعادة الإعمار الأساسي (50–70 مليار دولار)، ما يعمّق الشكوك حول القدرة على توفير التمويل.
وعن النتائج الاقتصادية تطرح الخطة أهدافًا طموحة، منها رفع الناتج المحلي إلى 10 مليارات دولار سنويًا وخلق 500 ألف وظيفة، والوصول إلى 0% بطالة بحلول 2035.
لكن الورقة ترى أن هذه التوقعات تقوم على فرضيات غير واقعية تتجاهل غياب الاستقرار السياسي والأمني وقيود الحركة على الاقتصاد.
شروط تعجيزية
وتطرقت الورقة إلى الشروط السياسية والأمنية حيث تشترط الخطة نزع سلاح حركة حماس، وضمان استقرار أمني كامل، وإشراف دولي على الإعمار.
وتعتبر الورقة أن هذه الشروط تجعل الإعمار أداة لإعادة تشكيل السلطة والتحكم بالقرار في غزة، وليس مشروعًا تنمويًا مستقلًا.
وحول النقد الفلسطيني والمخاطر المتوقعة فقد رصدت الورقة انتقادات داخلية للخطة، أبرزها غياب المشاركة الفلسطينية وإغفال حقوق الملكية، وتجاهل الاحتياجات الإنسانية لصالح مشاريع ذات طابع استعراضي.
وتحذر الورقة من مخاطر إعادة تشكيل الجغرافيا والسيطرة الاقتصادية، وتحويل الإعمار إلى مسار يخدم أجندات خارجية.
وترى أن الخطة الأمريكية تحمل وعودًا كبرى لكنها مشروطة سياسيًا وأمنيًا، وتميل إلى الاستثمار الفاخر على حساب الاحتياجات الأساسية.
وتؤكد الورقة التي قدمها المركز الفلسطيني للدراسات أن إعمارًا مستدامًا يتطلب موقفًا فلسطينيًا موحدًا وتمويلًا غير مشروط، وإدارة فلسطينية مستقلة تضع حقوق السكان في قلب العملية، بعيدًا عن أي إعادة هندسة سياسية أو ديموغرافية للقطاع.



