من أنطوان لحد إلى عملاء غزة.. كيف يبيع الاحتلال “كلاب الأثر” بثمنٍ بخس؟

سجَّل التاريخ عبارة العميل اللبناني أنطوان لحد الذي تخابر مع الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، حين قال جملته الشهيرة في مايو عام 2000، وتحديداً خلال أيام الانسحاب الإسرائيلي المفاجئ من جنوبي لبنان: “خدمناهم 24 سنة، وباعونا بأربعة وعشرين ساعة”.
اعترف حينها أنطوان لحد بأن الاحتلال باع العملاء برخص ودون تفكير، معربًا عن صدمته بالقول: “لم أكن أتوقع بأن يتخلى الاحتلال عن عملائه بعد خدمة 24 سنة تحت أقدامهم”.
وتابع حينها بحسرة: “لقد قدمنا له الكثير من الخدمات.. تخلَّى عنَّا دون تفكير مرتين”.
وفي أيار/ مايو عام 2000، انسحب الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان دون تنسيق مع عملائه في الجنوب اللبناني أو حتى إخبارهم بالخطة أو حمايتهم كما كان إيهود باراك يعهدهم دائمًا، تركهم دون حماية ولا أمان ولا مال.
وفي 10 سبتمبر 2015، لفظ أنطوان لحد أنفاسه الأخيرة على سرير في مستشفى كأي عجوز، موتٌ لا يليق بقائد مليشيا عملاء للاحتلال في جنوب لبنان بين أعوام 1984 و2000. فليست هذه عادة نهاية “الأبطال”، باعتبار أنّ لحد أصرّ حتى آخر لحظات حياته على أنه “بطل” خانه الجميع، اللبنانيون والإسرائيليون وكل العالم.
جرائم مليشيات الاحتلال في غزة… انتقام دمويّ تقابله بطولات شعبيّة
تفاجأ الرجل بعد سنوات من العمالة والتعاون مع الاحتلال، أنّ صفة الخائن تلاحقه حتى أنفاسه الأخيرة على سرير الموت، وأنّ القضاء اللبناني أصدر بحقه حكماً بالإعدام.
من جاء بسيرة أنطوان لحد بعد 11 عامًا من نفوقه؟
يربط مراقبون بين مصير أنطوان لحد ومصير عملاء غزة، في النهاية بالهروب أو التخلي عنهم عند انهيار الاحتلال، أو بيعهم بثمن بخس، أو نفوقهم على سرير الموت بعد براءة عائلاتهم وشعبهم منهم.

سياسية التخلي والبيع الرخيص، التي يتبعها الاحتلال مع كل من يتعاون معه. فالعملاء بالنسبة له أدوات مؤقتة تُستخدم لتحقيق غاية محددة، كجمع المعلومات، وتتبع الأثر، ودخول أماكن خطيرة لا يستطيع جنود الاحتلال الدخول إليها حفاظًا على سلامتهم، وبعد انتهاء دورهم، يُرمى بهم ويُستغنى عنهم.
المشهد اليوم يتكرر نفسه في غزة، فالتاريخ يعيد نفسه من لبنان إلى غزة، حيث رفض الاحتلال بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، نقلهم خارج غزة أو إنشاء “منطقة آمنة” لهم في غلاف غزة. كما صرّح المتحدث السابق باسم الجيش آفي بنياهو بوضوح: “الميليشيات المتعاونة في غزة لن تدخل إلى إسرائيل، وعليهم مواجهة مصيرهم وحدهم”. وهذا ما يعكس نهج “إسرائيل” في التعامل مع العملاء بعد انتهاء مهامهم.
دعم بالقطَّارة
وفي وقت سابق، كشفت مصادر أمنية أن ميليشيا عملاء شرقي مدينة غزة يتلقون مؤخرًا دعمًا محدودًا من الاحتلال، فيما قالت المصادر إن العميل رامي حلس يتولى مسؤولية توزيع التموين على العائلات المتواجدة في المخيم من البضائع القادمة عبر معبر كرم أبو سالم.
وفي مارس/ آذار الماضي، كشفت مصادر صحفية عن مأزق جديد تعيشه ميليشيات الاحتلال في قطاع غزة، جراء عدم تزويد الاحتلال لهم بالسلاح والمال، فيما تتصدَّر الأنباء حول استخدام الاحتلال لعدد من العملاء كـ”كلاب أثر” في جنوب لبنان، في ظل الحرب الجارية.
وقال العميل رامي حلس، في لقاء مع القناة 14 العبرية إن “جيش الاحتلال” لم يعد قادرًا على توفير غطاء جوي دائم، خاصة بعد بدء الحرب على إيران ولبنان.
وأشار إلى نقص كبير في الأسلحة والمركبات المال، وسط احتمالية مشاركتهم بمهام ميدانية خطرة في جنوب لبنان.
ولم يكن تصريح العميل رامي حلس الأول من نوعه، إذ كشفت أيضًا مصادر عبرية في أكثر من مناسبة عن نظرة احتقار إسرائيلية تجاه هذه الميليشيات، حيث يجري التعامل معها كأداة مؤقتة تُستخدم لتنفيذ أهداف مرحلية داخل قطاع غزة.
وكان من أبرز ما تم تداوله في هذا الإطار ما أوردته صحيفة يديعوت أحرنوت، التي تحدثت عن تكليف عناصر من هذه الميليشيات بمهام ميدانية خطرة، من بينها البحث عن عناصر حركة حماس داخل الأنفاق أو بين الأنقاض فيما يُعرف بمنطقة “الخط الأصفر”، حيث جرى وصفهم بعبارة “كلاب أثر”، في دلالة على طبيعة الدور المنوط بهم.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه المجموعات تفتقر إلى أي بنية تنظيمية حقيقية، ولا تمتلك مقومات تؤهلها لتكون بديلًا عن حركة حماس في القطاع.
ويعرف أن الاحتلال يسخدم العملاء كـ”كلاب أثر” ويزجونهم في المناطق الخطيرة والمشكوك بإمكانية وجود كمائن أو عناصر من المقاومة، ليتفقدون المكان، الأمر الذي أوقع عدد منهم قتلى ومصابين في عدة كمائن نفذتها المقاومة في غزة.
ويشير مختصون إلى أن تراجع الدعم المقدم للعملاء، مقارنة بالفترة السابقة، يعكس قلة اهتمام الاحتلال الإسرائيلي بهذه الميليشيات، خاصة بعد سلسلة من الإخفاقات والفضائح التي كشفت محدودية قدرتها على تنفيذ المهام الموكلة إليها.
ويؤكد المختصون أن النقص في الأسلحة والمركبات والتمويل يجعل عناصر الميليشيا أكثر عرضة للفشل في الميدان، ويضعف قدرتها على الاستمرار كأداة فعالة بيد جيش الاحتلال الإسرائيلي.
مصير مجهول يتحكم فيه الاحتلال.. كيف تتلقى ميليشيا العميل رامي حلس دعمها؟
ويحذر هؤلاء من أن هذا التراجع في الدعم لا يعكس فقط النقص اللوجستي، بل يشير إلى أن الاحتلال قد يكون بصدد إنهاء وجود هذه الميليشيا بشكل نهائي، إذ أن استمرارها لا يعود بفائدة، وقد يؤدي هذا الحال لتفككها الداخلي وتسريع عملية التخلص منها بعد أن فقدت أي قيمة استراتيجية حقيقية.
التاريخ لا يرحم
التجربة اللبنانية تُظهر بوضوح أن الخونة لا مستقبل لهم، وأن الرهان عليهم لا يصنع نصرًا. جيش لحد الذي خدم الاحتلال لعقود، انهار خلال أيام قليلة، وترك خلفه تاريخًا أسود لم يشفع لقادته عند الإسرائيليين ولا اللبنانيين.
وتواجه ميليشيات الاحتلال رفضًا شعبيًا ودوليًا واسعًا بسبب الجرائم التي ارتكبتها خلال الحرب، والتي تشمل نهب المساعدات وتجويع المدنيين وارتكاب عمليات قتل وخطف وتعذيب، إضافة إلى اتهامات بالتحرش الجنسي والاتجار بالمخدرات وتجنيد الأطفال، فيما وصفته تقارير حقوقية بأنها تهديدات جسيمة للقوانين الدولية والإنسانية.



