معبر رفح.. أدوار “مريبة” لمليشات الاحتلال بحق النساء العائدات إلى غزة

إذلال وتفتيش جسدي وإهانات لفظية، تنتهي بتسليم النساء إلى جيش الاحتلال عند نقطة التفتيش في معبر رفح. هكذا تختصر شهادات العائدين والعائدات عبر معبر رفح واقع رحلة تحولت من إجراء حدودي إلى رحلة عذاب وترويع، تتداخل فيه أدوار ميليشيات مسلحة مع إجراءات جيش الاحتلال.
خمس محطات تفتيش معقدة في معبر رفح، يضطر العائدون إلى الوطن لخوضها، تبدأ من الجانب المصري وتنتهي عند جنود جيش الاحتلال المتمركزين في عمق القطاع. وتشارك في هذه الإجراءات بعثة أوروبية وإدارة فلسطينية، إلا أن الكلمة العليا تظل للاحتلال الذي يستخدم “جهاز مكافحة الإرهاب” التابع لمليشيات محلية لاستجواب المواطنين.

“من سلّمني للاحتلال هم عصابات أبو شباب…” بهذه الكلمات تختصر نساء فلسطينيات جانبًا من فصول معاناة العائدين إلى قطاع غزة عبر معبر رفح.
وتقول أم أحمد معروف، وهي أم شهيد وزوجة أسير محرر، إن عناصر من تلك العصابات احتجزوها واعتدوا عليها بالضرب ووضعوها في البرد القارس حتى فقدت الوعي، قبل أن تُسلَّم لجنود الاحتلال الذين أخضعوها لتحقيق قاسٍ ووجّهوا لها تهديدات مباشرة، وأحضروا صور زوجها وابنها في محاولة للضغط عليها نفسيًا.
بينما روت هدى أبو عابد، التي عادت بعد عام من العلاج في مصر عبر معبر رفح أنها انتظرت أكثر من 11 ساعة في الجانب المصري، قبل أن تبدأ سلسلة إجراءات صودرت خلالها مقتنياتها الشخصية من سوائل وعطور وكريمات.
“كنت المرأة الوحيدة بين عدد من الإسرائيليين”
وبعد تجاوز نقطة البعثة الأوروبية، ركبن العائدات إلى غزة في حافلة يقودها رجل غزي، كانت تسير بين آليتين عسكريتين إسرائيليتين، وشكلت المجموعات المسلحة حلقة الوصل بينها وبين الجيش.
وفق التعليمات، منعت السيدات من التحدث إلى السائق، لكن السيدة هدى سألته “إلى أين نذهب”، رد عليها بصوت منخفض “إلى عالم مجهول”، وفجأة توقف الباص في منطقة الميليشيات المسلحة عند حاجز عسكري يقف عليه عنصران مسلحان ومعهم سيدة مسلحة.
طلبت العصابات المسلحة منهن النزول من الحافلة، والتوجه إلى مكان بعيد والوقوف هناك، ظلت هدى واقفة على قدميها، وبعد ساعات قضتها في عتمة الليل، نادى عليها عنصر من الميليشيات المسلحة ربط على عينيها قطعة قماش وقيد يداها بالأصفاد وأدخلها إلى غرفة التحقيق وأمسك يدها وسحبها حتى سلمها لجيش الاحتلال.
تعلق قائلة: “أنا مثله غزية، وفي مقام والدته، لماذا تصرف معي بهذه الطريقة، لقد أوصلني للجنود بنفسه، كنت المرأة الوحيدة بين عدد كبير من الإسرائيليين”.
طالع المزيد…
من “جسور” إلى “جذور”.. إعلام مضلّل يروّج للميليشيات والاحتلال
البقاء مقابل التعاون أو الاعتراف !
طلب الجيش منها التعاون معهم، ولما رفضت عرضوا عليها الهجرة إلى خارج غزة لكنها صممت على العودة إلى القطاع، حينها هددها الضابط بالقتل والإخفاء القسري، وأوصل معها رسالة إلى سكان غزة مفادها “جهزوا أنفسكم لمغادرة الأرض للأبد”.
أما لمياء، تشرح قبل الدخول للتحقيق، لحظات فتش فيها عنصر تابع للميليشيات المسلحة لمياء جسدياً وأجرى ذلك الفحص رجلاً لم يراع خصوصيتها، كما نبش حقائب سفرها وصادر كل ما تملك حتى حذاءها، شتمها بألفاظ نابية، وعرض عليها البقاء في منطقة غزة الشرقية حيث يسيطر الجيش الاحتلال.
رفضت لمياء العرض، وأبلغته أنها تريد العودة لغزة، حينها ربط يديها بالأصفاد وهددها قائلاً “أنت رهن الاعتقال… لا بل سأخفيك ولن تري الشمس ولا غزة ولا حتى أهلك” لم تعره السيدة أي اهتمام ولم ترد على وعيده، وفجأة أمسك يدها وسحبها إلى مكان تجهله.
تضيف “كان يحاول إخفائي قسرياً، مكثت نحو ساعة ونصف في مكان مجهول غريب وحدي، ثم سحبني نحو نقطة مجهزة بأجهزة استشعار وكشف معادن، وبعدها إلى غرفة تحقيق يجلس فيها جندي إسرائيلي حقق معي لثلاث ساعات”.
فيما وتؤكد العائدة لغزة روتانا الرقب أن التحقيقات اتسمت بالقسوة والتهديد، إذ سُئلت عن أقاربها وتحركاتها وأسباب عودتها، وتعرضت للتهديد بقتل أفراد من عائلتها، وأُجبرت على خلع سترتها ورُشّت بالماء البارد. وبعد مغادرة معبر رفح، واجهت حواجز أخرى تديرها الميليشيات نفسها، حيث تواصلت المضايقات وعُرض عليها الانتقال للعيش في مناطق سيطرتهم.
ولا تقتصر الانتهاكات على النساء؛ فالجريح أحمد يصف رحلته عبر معبر رفح بأنها “مظلمة ومهينة”، إذ اضطر لعبور عشرات الحواجز التي تديرها مجموعات مسلحة، يخضع في كل مرة للتفتيش والتحقيق، وسط سيطرة مشتركة بين الجيش وتلك المجموعات على الطريق داخل رفح.
فيما يؤكد وسيم، المصاب بتكسر الصفائح الدموية، أنه استُدعي للتحقيق رغم وضعه الصحي، وواجه تهديدًا مباشرًا بالاعتقال وتحذيرًا من العودة إلى غزة. ويروي ساجي أن أمتعته وأمواله وهواتفه صودرت، واضطر للسير بين أسلاك شائكة وممرات مراقبة بالكاميرات، في ظروف فاقمت معاناة المرضى والمسافرين.
مجتمعة، تكشف هذه الشهادات عن نمط متكرر من الممارسات التي تتجاوز حدود التفتيش الأمني إلى الإذلال الممنهج والضغط النفسي والتهديد، حيث يتحول العبور عبر معبر رفح إلى تجربة قسرية محفوفة بالانتهاكات.
أكد مركز غزة لحقوق الإنسان أن “رحلة العودة كانت رحلة عذاب وترويع بدلًا من أن تكون حقًا طبيعيًا في التنقل والعودة إلى الوطن”، محذرًا من أن ما جرى يعكس محاولة إسرائيلية متعمدة لخلق تصور بأن العودة مرهقة وصادمة نفسيًا وجسديًا، لثني الفلسطينيين في الخارج عن العودة.
فيما يوضح المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، أنّ الإجراءات التي يفرضها الاحتلال – بمعاونة مليشياته- بحق العائدين عبر معبر رفح تمثل رسالة ترهيب نفسي ممنهجة تهدف إلى تصوير العودة إلى الوطن على أنها محفوفة بالمخاطر.
مع ذلك كله، يتمسك الفلسطينيون العالقين على العودة إلى غزة بأهمية تجاوز كل الصعوبات والعراقيل على معبر رفح من أجل الوصول إلى الوطن ولقاء الأحبة، رغم ما يتعرضون له من تحقيقات وترهيب وتهديد ومصادرة لحاجياتهم.
وتوثيقًا لهذا الإصرار بـ “لغة الأرقام”، بلغ عدد العائدين للقطاع عبر معبر رفح إجمالي عدد المسافرين بين 2 و20 فبراير ما يقارب إلى 602، وبحسب تقارير مطلعة، فإن حوالي 80 ألف شخص يرغبون بالعودة رغم استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتردي الأحوال المعيشية.



