“مجلس السلام”.. وصاية جديدة “وسلام بدون سلام”

يثير الإعلان الأمريكي عن تشكيل ما يسمى بـ “مجلس السلام” موجة واسعة من القلق والرفض في الشارع الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة.
فبعيداً عن الخطاب الدبلوماسي الذي يغلف الإعلان، ينظر كتّاب وناشطون ومحللون إلى المجلس باعتباره امتداداً لسياسات الوصاية الخارجية، ومحاولة لإدارة الصراع بدلاً من حلّه، في ظل غياب الإرادة الشعبية وأي توافق وطني حقيقي.
وتسود حالة من التخوف العام تجاه أي مبادرة تُطرح من خارج الإرادة الفلسطينية، وخاصة تلك التي تُصاغ في غرف مغلقة، وتأتي من أطراف دفعت غزة ثمن سياساتها عبر سنوات طويلة من الحصار والحروب.
ويشير كتاب وناشطون في تعليقهم على تشكيل المجلس، إلى أن الغزيين باتوا يمتلكون ما يشبه “الحاسة السادسة” تجاه المصطلحات المنمقة مثل “السلام” و”الإعمار”، إذ غالباً ما تُستخدم كغطاء لمشاريع سياسية تهدف لترتيب المشهد بما يخدم مصالح القوى الدولية أكثر مما يخدم احتياجات الفلسطينيين.
أمر واقع
ويقول في ذلك الكاتب السياسي أحمد منصور “يبدو مجلس السلام أقرب إلى جسم إداري مفروض كأمر واقع لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، وليس مبادرة تشاركية تُبنى على إرادة الناس”.
ويتابع “تظهر الانطباعات الشعبية الأولية بأن الهدف الحقيقي ليس تمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم، بل خلق صيغة أمنية إدارية تضمن استقراراً مؤقتاً يحقق مصالح الأطراف الدولية والإقليمية، دون تقديم أي حل جوهري للقضايا السياسية الكبرى”.
ويلفت محللون إلى أن الإعلان الأمريكي لا يمكن عزله عن الدور المحوري لواشنطن، التي تُقدّم المجلس بوصفه جزءاً من “مرحلة جديدة” في غزة.
إلا أنّ التفاصيل تكشف عن وصاية سياسية مباشرة، خاصة في ظل الحديث عن تعيين “ممثل سامٍ لغزة”، وتداول اسم نيكولاي ملادينوف لهذا المنصب، وهو ما يعيد إلى أذهان الفلسطينيين الحقبة البريطانية إبان الانتداب، حين دخل هيربرت صموئيل فلسطين تحت شعار المساعدة على بناء دولة عصرية، وانتهت تلك المرحلة بنكبة 1948.
ويرى الكاتب مصطفى إبراهيم أن جوهر المشروع لا ينفصل عن الرؤية الإسرائيلية الأمريكية لإعادة تشكيل غزة بعد الحرب، عبر فصل القطاع عن سياقه الوطني وتحويله إلى كيان إداري أمني بلا سيادة، وبلا تمثيل سياسي حقيقي.
ويستدل إبراهيم في حديثه بطبيعة الشخصيات المعلنة في المجلس، مثل دونالد ترامب كرئيس للمجلس، وعضوية ماركو روبيو وستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وتوني بلير وآرييه لايتستون وغيرهم، وهو ما يعزز قناعة بأن المشروع لا يمثل الفلسطينيين بقدر ما يعكس إرادة القوى الكبرى.
وتكشف صور الأقمار الصناعية وتحركات جيش الاحتلال الإسرائيلي أن الواقع على الأرض يتجه نحو إعادة هندسة السيطرة داخل القطاع.
فالخط الأصفر الذي تموضع عليه الجيش بعد وقف إطلاق النار تحول إلى حدود أمر واقع، مع تصريحات من قيادات الجيش تصفه بأنه “الحدود الجديدة لإسرائيل”، في مؤشر على أن الانسحاب المعلن ليس انسحاباً حقيقياً بقدر ما هو إعادة تموضع أشد إحكاماً.
كما أن استمرار عمليات الهدم، ووجود أكثر من 13 موقعاً عسكرياً جديداً داخل القطاع، يدفعان نحو مشهد مركّب من عسكرة الأرض وإدارة الناس عبر الإغاثة، وليس عبر حلول سياسية.
وتشير التحليلات إلى أن مجلس السلام يهدف أولاً إلى نزع السلاح، وتفكيك البنية الأمنية القائمة، وإنشاء جهاز شرطي بإشراف قوة استقرار دولية، وهو ما يهدد بخلق توترات دائمة في ظل غياب غطاء أممي وقانوني.
كما أن تشكيل لجنة إدارية “تقنية” لإدارة شؤون القطاع، دون خلفية سياسية أو قاعدة دعم مجتمعية، قد يجعلها عرضة لضغوط هائلة ويضعها في مواجهة قوى المجتمع المحلي، في معركة خاسرة مسبقاً.
ويرى محللون أن إدخال دول عربية وإسلامية في عضوية المجلس ليس بهدف تعزيز الدور الإقليمي، بل لتحييد تلك الدول وإضفاء مسحة شرعية على هيكل إداري تهيمن عليه الولايات المتحدة، وتحميل هذه الدول مسؤولية تبعات القرارات التي قد تخدم الطرف الإسرائيلي.
ويخشى ناشطون من أن تتحول قوة الاستقرار الدولية إلى قوة هيمنة، وأن يستمر الاحتلال في تنفيذ اغتيالاته وتوغلاته بعيداً عن أي مساءلة، ما يصعّد التوتر ويجعل الوضع الأمني قابلاً للانفجار في أي لحظة.
ولا ينسى الفلسطينيون التجارب السابقة في الإعمار، والمليئة بالعرقلة والتدخلات الإسرائيلية في كل التفاصيل، ما يجعل مشاريع إعادة البناء الحالية عرضة للفشل السريع، خاصة مع غياب ضمانات واضحة لرفع الحصار أو حماية الحقوق المدنية والسياسية.
سلام بلا محتوى سلمي
ويصف الباحث أسامة الأشقر المشروع بأنه “سلام بلا محتوى سلمي”، ونزع سلاح بلا تسوية، وإعمار بلا ضمانات. ويرى أنه مشروع فوقي لإدارة الصراع وليس لحله.
ويرجح الأشقر في تعليقه على تشكيل المجلس أن يكون “وليداً ينتظر شهادة وفاة مؤجلة”، تمامًا مثل مشاريع دولية وإقليمية سبقت ولم تترك أثراً إلا مزيداً من التعقيد.
ويقول إنه “في ظل هذه الصورة القاتمة، يبدو أن مجلس السلام يعيد إنتاج الوصاية الدولية على غزة بصيغة جديدة، ويهيئ لمرحلة انتقالية بلا أفق، تُدار فيها غزة كملف أمني وإنساني منفصل عن مشروعها الوطني الأشمل”.
ويتابع الكاتب الأشقر “في المقابل يبقى الرهان الحقيقي على قدرة الفلسطينيين على ترتيب بيتهم الداخلي، وحماية هويتهم الوطنية، ومواجهة أي محاولات لفرض واقع سياسي جديد يتجاوز إرادتهم”.
أعضاء مجلس السلام
أما الكاتب الصحفي وسام عفيفة فقال إن إعلان البيت الأبيض عن التشكيلة الأساسية لما يُسمّى بـ«مجلس السلام في غزة» يكشف ملامح المرحلة السياسية والأمنية التي تعمل واشنطن على فرضها في القطاع.
ويشير إلى أن المجلس سيترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب ويضم شخصيات ذات تأثير سياسي ودبلوماسي وأمني، أبرزهم: ماركو روبيو، ستيف ويتكوف، جاريد كوشنر، وتوني بلير، إلى جانب تعيين نيكولاي ملادينوف عضوًا في المجلس التنفيذي وممثلًا ساميًا لغزة.

ويوضح عفيفة أن التشكيلة تعكس مقاربة أميركية متعددة المستويات، فعلى المستوى السياسي تحضر شخصيات مثل روبيو وبلير وكوشنر لتوفير الغطاء الدولي والإقليمي للمسار الجديد، على قاعدة إدارة “ما بعد الحرب”، دون التطرق إلى جذور الصراع أو حقوق الفلسطينيين السياسية.
أما على المستوى الدبلوماسي، فعودة ملادينوف – المبعوث الأممي السابق – تأتي ليضطلع بدور “المنسق الأعلى” بين المسار الدولي والواقع الميداني، بما يعكس الرغبة الأميركية في توظيف خبرته لإدارة الأزمات، لا لبلورة تسوية سياسية عادلة أو شاملة.
ويشير عفيفة إلى أن الجانب الاستشاري داخل المجلس يضم شخصيات مثل آرييه لايتستون وجوش غرونباوم كمستشارين رفيعي المستوى، وهو ما يعدّ دلالة إضافية على استمرار نفوذ فريق “اتفاقيات أبراهام” في رسم ملامح المرحلة المقبلة، وربط رؤية غزة بمقاربات التطبيع والأمن الاقتصادي.
وأكد أن البعد الأمني يشكّل الركيزة الأساسية في الرؤية الأميركية، إذ أُسندت قيادة «قوة الاستقرار الدولية» إلى اللواء الأميركي جاسبر جيفرز، في مؤشر واضح على أن المقاربة العسكرية–الأمنية تحظى بالأولوية على حساب أي مسار سياسي أو رؤية وطنية فلسطينية.
ويؤكد عفيفة أن الإعلان الأميركي لا يقدم حلًا سياسيًا حقيقيًا، بقدر ما يرسم بنية حكم انتقالية هجينة تتكوّن من مجلس دولي للقرار، وقوة عسكرية للاستقرار، ولجنة محلية للإدارة، في إطار يعيد إنتاج سياسة إدارة الصراع بدل حله، ويطرح أسئلة جوهرية حول السيادة والتمثيل الفلسطيني وحدود الدور المفروض على غزة في المرحلة المقبلة.



