
حذّر مرصد حقوقي من التداعيات الخطيرة للخطة الإسرائيلية–الأميركية المعروفة باسم “المدينة الخضراء” في رفح جنوبي قطاع غزة
واعتبر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن الخطة تشكّل مسارًا فعليًا لفرض تهجير قسري واسع النطاق على السكان الفلسطينيين، وتكريس سيطرة عسكرية إسرائيلية طويلة الأمد على أجزاء واسعة من القطاع.
وأوضح أن الخطة تُطرح باعتبارها “حلًا لإيواء” سكان غزة المهجّرين منذ أكثر من عامين، غير أنها تنطوي على مخاطر جسيمة تمسّ الحقوق الأساسية للسكان، وتعيد إنتاج واقع السيطرة والهيمنة بدل معالجة تداعيات الإبادة الجماعية المستمرة في القطاع.
وأشار المرصد الحقوقي إلى أن الخطة قد تؤدي فعليًا إلى تهجير الفلسطينيين من أماكن إقامتهم الأصلية، وتحويل مساحات واسعة من غزة إلى مناطق عسكرية مغلقة خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي المباشرة، بما يُفرغ أي حديث عن “إيواء إنساني” من مضمونه.
ورأى أن هذه المقاربة تمثل فشلًا جديدًا في التعامل مع الكارثة الإنسانية الناتجة عن العدوان المستمر، إذ تُطرح “حلول” هدفها الفعلي إعادة التوزيع الديمغرافي وفرض واقع جديد قائم على الإذلال والسيطرة دون توفير معالجة حقيقية لمعاناة المدنيين.
وقال المرصد الأورومتوسطي إنه تابع بقلق ما كشفته وسائل إعلام إسرائيلية عن اتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على المضي قدمًا في تنفيذ الخطة، والتي تتضمن إنشاء مبانٍ من نوع “كرفانات” لإيواء السكان الفلسطينيين في مرحلتها الأولى.
ووفق المعلومات المنشورة، تعمل قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى جانب مقاولين على إخلاء المنطقة الواقعة بالكامل تحت السيطرة الإسرائيلية، وإزالة الأنقاض وتسوية الأرض تمهيدًا لإنشاء “المدينة”، مع توقعات بتسارع الأعمال التحضيرية خلال الفترة المقبلة.
تجربة منظمة غزة الإنسانية
وذكّر المرصد بتجربة “منظمة غزة الإنسانية” التي أقامت مراكز لتوزيع المساعدات في رفح، والتي تحولت سريعًا إلى ساحات للقتل والاعتقال والإخفاء القسري، وذهب ضحيتها آلاف المدنيين.
وأكد أن هذا المثال يظهر خطورة ربط العمل الإنساني بترتيبات عسكرية وأمنية.
وشدّد على أن خطة “المدينة الخضراء” تفرض سيطرة غير قانونية طويلة الأمد، وتمثل شكلًا من أشكال الضم بالقوة والحبس الجماعي غير المشروع للسكان المدنيين، في تعارض صارخ مع القانون الدولي وحق الفلسطينيين في تقرير المصير.
وأشار إلى أن المنطقة المخصصة للمشروع تخضع حاليًا لسيطرة الجيش الإسرائيلي، وتنتشر فيها ميليشيات مسلحة شكّلتها إسرائيل تورطت في جرائم قتل وترويع وسرقة بحق الفلسطينيين، ما يثير تساؤلات خطيرة حول دورها في المراحل المقبلة من تنفيذ الخطة.
ووفق معلومات حصل عليها المرصد، تُوضع أكثر من نصف مساحة قطاع غزة ضمن نطاق عسكري مغلق يخضع لسيطرة إسرائيلية مباشرة، يُفرض فيه نظام رقابة وإدارة مشدد، وتُستخدم المساعدات والخدمات الأساسية كأدوات ضغط لدفع السكان إلى المغادرة.
تهجير القسري
وأوضح المرصد أن الخطة تعتمد على نقل السكان من “المنطقة الحمراء” إلى “المنطقة الخضراء” عبر أدوات ضغط متعددة، بينها خلق بيئة معيشية قسرية وربط الحماية والخدمات بالموافقة على الانتقال بعد إخضاعهم لإجراءات تدقيق أمني واسعة.
وأكد أن هذا النمط من النقل ينفي أي طابع اختياري ويضع العملية في إطار التهجير القسري المحظور دوليًا.
وأشار إلى أن الخطة تتضمن إقامة مدن من الحاويات (الكرفانات) داخل “المنطقة الخضراء”، تستوعب كل واحدة منها نحو 25 ألف شخص في مساحة لا تتجاوز كيلومترًا مربعًا واحدًا، محاطة بأسوار ونقاط تفتيش لا تسمح بالدخول أو الخروج إلا بعد فحص أمني.
وبيّن أن هذا التصميم يحوّل هذه المناطق فعليًا إلى معسكرات احتجاز مكتظة تشبه نماذج “الغيتوات” التاريخية، حيث تُحشر مجموعات سكانية داخل معازل مغلقة تُدار من الخارج.
كما أكد أن الخطة تقوم على تمييز منهجي بين الفلسطينيين عبر ربط نقلهم بمعايير فحص أمني أميركية–إسرائيلية، ما يسمح باستبعاد فئات كاملة تُعد “غير مستوفية للشروط”.
وأوضح أن ذلك يحوّل الحق في السكن والغذاء والرعاية الصحية من حقوق أساسية إلى أدوات ابتزاز سياسي وأمني.
وحذّر المرصد من أن الخطة تأتي ضمن مسار أوسع يهدف إلى تفتيت وحدة الأرض والشعب الفلسطيني وتكريس الفصل بين غزة والضفة، وفرض سلطة جديدة في القطاع منفصلة عن الإطار الوطني الفلسطيني.
وانتقد الدور الأميركي، معتبرًا أن الولايات المتحدة تشارك بفعالية في تصميم هندسة سياسية–ميدانية تُرسّخ واقع الاحتلال والضم والتهجير القسري، في مخالفة لالتزاماتها بموجب القانون الدولي.



