تضليل “ملادينوف” يفاقم حصار غزة ويعيد تشكيل رواية مزيفة عن تدفق المساعدات

في لحظة يشتد فيها الخناق على نحو 2.4 مليون إنسان في قطاع غزة، تخرج تصريحات دولية من الممثل السامي لغزة في مجلس السلام نيكولاي ملادينوف تتحدث عن تدفق واسع للمساعدات، بينما الواقع الميداني يروي قصة مختلفة تمامًا.
هذا التناقض الفادح ظهر بوضوح في التصريح الأخير لنيكولاي ملادينوف، الذي أعلن دخول 602 شاحنة إلى القطاع في يوم واحد، وهو رقم سرعان ما ثبت أنه جزء من سردية تضليل دولية تُحاول صناعة واقع بديل لا وجود له على أرض الواقع.
البيانات الموثقة القادمة من داخل غزة كشفت أن العدد الحقيقي للشاحنات لم يتجاوز 207 شاحنات فقط، من بينها 79 شاحنة مساعدات، ما يعني أن ما جرى تقديمه للعالم ليس مجرد خطأ رقمي، بل تضليل واضح يغطي على كارثة إنسانية تتعمق يومًا بعد يوم.

المكتب الإعلامي الحكومي في غزة اتهم ملادينوف بشكل صريح بتقديم معلومات تفتقر إلى المصداقية وتتعارض مع الوقائع الميدانية، مؤكدًا أن نسبة الالتزام بإدخال الشاحنات منذ بدء وقف إطلاق النار لم تتجاوز 38% من المتفق عليه، الأمر الذي ينسف أي ادعاء بوجود تحسن في تدفق المساعدات.
وعند النظر إلى الصورة الأشمل يتضح حجم الكارثة، فإجمالي الشاحنات التي دخلت القطاع خلال الأيام التسعة الأولى من شهر أبريل لم يتجاوز 1020 شاحنة، وهو ما يعادل حاجة غزة ليوم واحد فقط وفق التقديرات الإنسانية التي تفترض دخول ألف شاحنة يوميًا لضمان الحد الأدنى من الاستقرار.
وبينما تلتزم الجهات الدولية نظريًا بإدخال 600 شاحنة يوميًا، فإن الواقع يؤكد أن الكميات الفعلية لا تصل في كثير من الأحيان إلى ثلث هذا الرقم، بل إن أيامًا كاملة مرت دون دخول شاحنة واحدة.
هذه الأرقام لا تُظهر أزمة إغاثة فحسب، بل تكشف انهيارًا اقتصاديًا يرتبط مباشرة بندرة السلع وارتفاع الطلب عليها.
فالنتيجة الطبيعية هي ارتفاع الأسعار واتساع السوق السوداء وتراجع خطير في السلع الأساسية وعلى رأسها الدقيق، حيث انخفض إنتاج الخبز بعد توقف المطبخ المركزي العالمي عن دعم الدقيق وتقليص برنامج الغذاء العالمي كمياته من 300 طن إلى 200 طن فقط، بينما يحتاج القطاع إلى نحو 450 طنًا يوميًا.
“اقتصاد التضليل”
ويقول مختصون اقتصاديون إن هذا العجز الصارخ يهدد ما تبقى من الأمن الغذائي في قطاع يحاصره الاحتلال ويعيد تشكيل خارطة الجوع بإحكام.
ويؤكد المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر أن التضليل الذي يمارسه ملادينوف لا يقتصر على كونه بيانًا خاطئًا، بل يمثل غطاءً سياسيًا يعمّق الأزمة ويمنح الاحتلال فرصة للاستمرار في هندسة التجويع الممنهجة.
ويتابع “حين يصل العالم رسالة مفادها أن غزة تتلقى مئات الشاحنات يوميًا، فإن الضغط الدولي يتراجع، والمسؤولية الأخلاقية تتناثر، بينما يبقى السكان وحدهم في مواجهة واقع لا يشبه شيئًا من التصريحات الوردية”.
وفي ظل هذا التزييف المتعمد للحقائق، يطالب الفلسطينيون بوقف استخدام الأرقام كأدوات لتجميل الحصار، ويؤكد هؤلاء في ردهم على هذا التزييف للحقائق عبر منصاتهم في مواقع التواصل، أن الحقيقة التي يجب أن يسمعها العالم هي أن غزة على حافة الانهيار الكامل، وأن كل شاحنة لا تدخل، وكل رقم يزور، يمثل حياة تهدد، وطفلًا يفقد قوت يومه، وأسرة تترك لمصيرها تحت ركام التجويع.



