المليشيات والسلطة… شراكة خفية في خاصرة شرق غزة تتقاطع فيها المصالح مع أجندة الاحتلال

على الرغم من النفي المتكرر الصادر عن أبواق السلطة الفلسطينية بشأن علاقتها بالمليشيات المسلحة التي تنشط في المحور الشرقي لقطاع غزة تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال وجهاز “الشاباك”، إلا أن تتبع مسار نشأة هذه العصابات وتسليحها يكشف شبكة معقدة من التشابكات السياسية والأمنية تعود جذورها إلى دوائر نافذة داخل السلطة نفسها.
المعطيات المتقاطعة والاعترافات العلنية لا تترك مجالًا للالتباس؛ فالمسألة لم تعد تحليلات أو اتهامات إعلامية، بل وقائع تثبت أن السلطة الفلسطينية لم تكن بعيدة عن هذه التشكيلات، بل وفرت لها الغطاء السياسي والأمني منذ بداية تشكيلاتها، واستثمرت حالة الحرب والإبادة لتحقيق مكاسب ميدانية على حساب دماء الغزيين.
تنسيق بالصوت والصورة… شراكة معلنة بين المليشيات و أجهزة السلطة
بالعودة إلى البداية، أقر قائد ما يُسمى بـ”القوات الشعبية” ياسر أبو شباب، عبر إذاعة جيش الاحتلال بوجود تنسيق مباشر مع أجهزة في السلطة الفلسطينية، واصفًا العلاقة بأنها “شراكة في الفحص الأمني” شرق رفح.
وكانت تتلقى ميليشيا “أبو شباب” دعماً مباشراً من بعض الشخصيات النافذة في السلطة الفلسطينية ووفقاً للتقارير، كان يحتفظ ياسر أبو شباب بعلاقات وثيقة مع محمود الهباش، مستشار محمود عباس للشؤون الدينية، وكذلك مع اللواء بهاء بعلوشة من جهاز المخابرات العامة الفلسطينية. إلى جانب تورط دولة عربية في تدريب عناصر المليشيات، في إطار مشروع إقليمي لإعادة هيكلة السلطة داخل قطاع غزة.

الهباش وبعلوشة أدوات التحريك.. عباس طلب إخفاء علاقة السلطة بعصابة “أبو شباب
كشفت تقارير عبرية أيضًا، أن رئيس السلطة الفلسطينية وزعيم حركة فتح محمود عباس طلب من مستشاريه وبعض عناصر أجهزة السلطة إخفاء العلاقة مع عصابة ياسر أبو شباب في قطاع غزة.
ونقل تلفزيون “I24” العبري عن مصادر في رام الله قولها: “عندما بدأت العملية، أمر عباس رجاله بإخفاء العملية، وقال: لا تحتضنوا ياسر أبو شباب ولا ترفضوه، والأهم من ذلك، لا تتركوا أثراً”، موضحًا أن العلاقات بين رام الله وأبو شباب قادت إلى تحويل مبالغ مالية لأعضاء المليشيات كرواتب ومساعدات، ولكن بشكل رئيسي إلى علاقة سرية بين رام الله والمليشيات المتمركزة في رفح.
العلاقات الأولى بين ياسر أبو شباب ومحمود الهباش، مستشار أبو مازن ومساعده، في حين أن من خلق العلاقة بين الهباش وأبو شباب، هو بهاء بعلوشة، الضابط في جهاز المخابرات العامة الفلسطينية، وهو أيضًا بالأصل من غزة.
هذا وأوكل بعلوشة قيادة عملية تجنيد المليشيات في غزة إلى فايز أبو هنود، والمسؤول عن “المنطقة الجنوبية” في جهاز المخابرات الفلسطينية.
واختار عباس عدم الاستعانة بماجد فرج، رئيس جهاز المخابرات العامة، لهذه المهمة، لأنه فشل قبل أكثر من عام في تجنيد عناصر من فتح لحماية المساعدات، حيث قتل في حينه اثنين من رجاله وتم اعتقال أكثر من 20 عنصراً من قبل الجهات الحكومية في غزة، وانهارت الشبكة تماماً.
تتجلى العلاقة العضوية بين السلطة وهذه التشكيلات في المسار الشخصي لعدد من قادتها.
غسان الدهيني… من ضابط في أجهزة السلطة إلى قائد ميليشيا
وُلد غسان الدهيني في 3 أكتوبر/تشرين الأول 1987 بمدينة رفح، وينتمي إلى قبيلة الترابين، وهي القبيلة ذاتها التي ينتمي إليها ياسر أبو شباب.
شغل الدهيني سابقًا منصب ضابط في الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية برتبة ملازم أول، قبل أن ينخرط في تشكيلات مسلحة داخل القطاع، قبل أن ينضم لاحقا إلى فصيل “جيش الإسلام”، وهو تنظيم مسلح تمركز في قطاع غزة وتربطه ارتباطات أيديولوجية بتنظيم الدولة الإسلامية.
وبرز اسمه إلى الواجهة عقب إعلان مليشيا “القوات الشعبية”، عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك، تعيينه قائدا جديدا لها خلفا لياسر أبو شباب بعد مقتله في الرابع من ديسمبر/كانون الأول 2025.

“القوة الضاربة”… ضابط وقائي سابق يقود مليشيا مرتبطة بالاحتلال
ومن بين هذه الميليشيات المسلحة تبرز مجموعة تطلق على نفسها اسم “القوة الضاربة لمكافحة الإرهاب”، وتُعرف إعلامياً باسم مجموعة حسام الأسطل (أبو سفن)، نسبة إلى زعيمها، وهو ضابط سابق في جهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية، وصادر بحقه حكم بالإعدام بعد إدانته بتهم التخابر والتعاون مع جهازَي الشاباك والموساد منذ تسعينيات القرن الماضي.

وبرز اسم حسام عبد المجيد الأسطل، البالغ من العمر نحو خمسين عاماً، خلال فترة الحرب، عقب إدراجه في بيان صادر عن وزارة الداخلية في غزة في سبتمبر/أيلول 2025، حذّرت فيه الجمهور من التعامل مع عدد من الأسماء، كان الأسطل أحدها.
ولم يكن اسمه جديداً على المشهدين الإعلامي والأمني في القطاع، إذ سبق أن غادر غزة عام 2010 هارباً من ملاحقة الأجهزة الأمنية، قبل أن يعود عام 2022 إثر عملية متابعة واستدراج انتهت بالقبض عليه.
ومكث الأسطل في سجون غزة بانتظار تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقه، بعد ثبوت مشاركته، إلى جانب آخرين، في اغتيال المهندس الفلسطيني فادي البطش في العاصمة الماليزية كوالالمبور عام 2018، لصالح جهاز الموساد. وبقي قيد الاحتجاز حتى اندلاع معركة طوفان الأقصى والحرب على غزة، قبل فراره بتدخل إسرائيلي مباشر.

شوقي أبو نصيرة.. مِن ضابط متقاعد إلى زعيم ميليشيا
وُلِد أحمد إسماعيل أبو نصيرة المعروف بلقب “شوقي”، عام 1961، وهو ضابط متقاعد وصل إلى رتبة عميد، شغل مناصب أمنية في أجهزة السلطة. وكان في 2006 ضابطاً كبيراً في إدارة محافظة خان يونس.
جرى تجنيده للعمل ضمن شبكة الميليشيات المتعاونة مع الاحتلال عبر حسام الأسطل، أحد قادة تلك الميليشيات. وبحسب المصادر، فإن الاتصالات بين الطرفين بدأت بمبادرة من أبو نصيرة أواخر عام 2024، حين طلب الانضمام إلى أنشطة تستهدف مواجهة حماس وقوى المقاومة.

وبعد عدة أشهر، وفّر الأسطل لأبو نصيرة طريقاً آمناً للوصول إلى مقر مجموعته، التي كانت متمركزة آنذاك في منطقة قيزان النجار جنوب شرقي خان يونس. أقام أبو نصيرة هناك لعدة أشهر، قبل أن يُنقل لاحقاً إلى تمركز آخر وسط القطاع، شرق مدينة دير البلح، وهي منطقة تتمتع فيها مجموعة الأسطل بنفوذ ميداني تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال.
مجموعة حلس… نفي رسمي يقابله ذكر إسرائيلي صريح
في حي الشجاعية شرق غزة، تتركز مجموعة رامي حلس، وهو موظف عسكري سابق في جهاز أمن الرئاسة التابع للسلطة في رام الله. أحد أبرز الأسماء المرتبطة بالعصابات الجديدة المدعومة من الاحتلال في غزة، يسكن في حي تل الهوا بمدينة غزة، ويحمل الهوية رقم 906525217. ينتمي إلى حركة فتح.
يتلقى دعمًا مباشرًا من ضباط في جيش الاحتلال، ويقود مجموعة مسلّحة تنشط حاليًا في حي الشجاعية شرق غزة، حيث بدأ ارتباطه عبر ضابط المخابرات الإسرائيلي المعروف بـ”أبو رامي”، الذي يتواصل معه يوميًا لتنسيق المهام.
إقرأ المزيد: وقائع تتكشف.. عصابة رامي حلس أداة للاحتلال في تفريغ حي التفاح شرق غزة
ويُعرف حلس بارتكابه جرائم ميدانية، من أبرزها إطلاق النار على مقاومين واختطاف مواطن وتسليمه لقوات الاحتلال، ما جعله هدفًا مباشرًا للمقاومة الفلسطينية.

إقرأ المزيد: معبر رفح.. أدوار “مريبة” لمليشات الاحتلال بحق النساء العائدات إلى غزة
شراكة أمنية في تفكيك غزة
ويكتمل الطوق المسلح عند أقصى نقطة شمالاً، حيث تتجلى بوضوح شبكة العلاقات التي تربط هذه المجموعات ببعضها وبالاحتلال الإسرائيلي.
إذ يقود أشرف المنسي ما يُعرف بـ”الجيش الشعبي” في بيت لاهيا وبيت حانون، وهي مجموعة تشكلت برعاية مباشرة القتيل من ياسر أبو شباب، مما يكشف عن شبكة تنسيق وتعاون بين هذه التشكيلات المسلحة عبر جغرافيا القطاع.

مقاطع مصورة أظهرت قوافل دعم بالوقود والمؤن تمر عبر مناطق خاضعة لسيطرة الاحتلال باتجاه مقرات هذه المجموعات، بينما تؤكد مصادر إسرائيلية أن الدعم والتوجيه يتم عبر جهاز الشاباك والوحدة 8200 المختصة بالاستخبارات الإلكترونية.
وبينما كان يواجه أكثر من مليوني فلسطيني في غزة المجاعة والدمار، كانت تتبلور شبكة تنسيق تجعل من بعض هذه التشكيلات أداة لتصفية الحسابات الداخلية وإعادة ترتيب المشهد بما يتوافق مع حسابات رام الله، تحت المظلة الأمنية للاحتلال.
ويبقى السؤال: إلى أي مدى تورطت السلطة في رام الله في صناعة هذه المليشيات ورعايتها، ولمصلحة من تُدار بنادقها داخل غزة؟



